السالم
10-01-2006, 10:36 AM
من أجل صورة أكثر إيجابية لذوات أطفالنا[1]
يطب لي هنا اناقش معكم كيف نستطيع تكوين صورة اكثر ايجابية لذوات اطفالنا ؟
و هي جزء من دورة ممارس البرمجة اللغوية العصبية التي اقدمها و يطيب لي التشارك معكم في التعلم .
الخريطة ليست هي المنطقة The map is not the territory:
تعد هذه المقولة من أهم الافتراضات التي يبنى عليها علم البرمجة اللُغوية العصبية NLP معظم تطبيقاته ، فما رسالة هذه المقولة ؟ و ما علاقتها ببناء صورة أكثر إيجابية لذوات أطفالنا ؟
( إننا لا نرى العالم كما هو بل تبرمجنا على رؤيته .. و عندما نفتح أفواهنا لنصف ما نراه فنحن في الواقع نصف ذواتنا و مدركاتنا و معاييرنا الشخصية ) .
إن العالم في أذهاننا هو غير العالم الواقعي الذي نعيش فيه ، فهو عالم محدود مختصر مبتسر و مع ذلك فنحن مقتنعون بأن العالم هو ما نراه و ما نسمع و نحس به و ليس شئياً آخر .
لقد تسللت الكثير من المؤثرات و الخبرات بهدوء و خلسة داخل عالمنا الشخصي ناسخة عبر الأيام صورة غنية بألوان من الاعتقادات و المفاهيم المغروسة بعمق و بلا وعي في أعماق وجداننا مكونة ما يسمى ( الصورة الذاتية ).
و لو وددنا البحث عن المفتاح الأساسي لشخصية الإنسان و معنى سلوكياته فسنجده قابعاً بسرية داخل تعاريج هذه الصورة و التي تحولت شيئاً فشيئاً إلى إطار محدود المساحة ذو سياج عال تكاثفت أسلاكه حتى أصبح سجناً يكبل صاحبه ـ في بعض الأحيان ـ بأغلال و همية من الاعتقادات اللامنطقية و اللاواقعية ، مانعة إياه من الانطلاق بثقة نحو مساحات أرحب من القدرة و الفعالية .
و الإشكالية الدقيقة هنا هي ( أن هذه المعتقدات تحد من إدراكنا للعالم و لها أكبر الأثر في حياتنا سلباً و إيجاباً .. لأن ما يعتقد الإنسان أنه صحيح اعتقاداً يتغلغل إلى شعوره فسوف يشكل هذا الاعتقاد حياته ) .
و إذا أخذنا في الاعتبار ما يقوله ( الدكتور تاد جيمس ) بأن ( 90 % من مجموع هذه الاعتقادات و القيم قد تخزنت في العمر ) .
و المتوافق لحد ما مع ما يقوله الدكتور ( بلوم Bloom ) و الذي يقرر أن ( الطفل يكتسب 35 % من معارفه في السادسة من العمر ، ثم ترتفع هذه النسبة إلى 75 % في الثالثة عشر ، ثم 100% في الثامنة عشر ) .
وقارنا ذلك بما يذكره ( برايان ترايسي ) من أن الإنسان يقضي الـ 30 أو 40 سنة من عمره في التغلب على مشكلات الخمس سنوات الأولى .
و تعليق د . نادر فرجاني ( مدير مركز المشكاة للبحث ) على الخرافة السائدة في مجتمعنا عن مخ الطفل الصغير الذي لا يفقه أو يدرك شيئاً و أنها مسلمة بعيدة تماماً عن الصحة ، لأن جماع الرأي العلمي الآن على أهمية تنشئة الطفل العقلية في السنوات المبكرة الأولى من العمر تأثيراً بالغ الأهمية على معمار المخ و على أدائه بقية الحياة .
فإننا نخلص إلى أهمية السنوات الأولى في حياة أطفالنا ، و أنها المرجعية الرئيسية في تكوين صورتهم الذاتية و التي هي نافذتهم على العالم فيما بعد .
و من هنا فأنا أرى أن أهم ما نستطيع فعله كوالدين هو اكتساب التقنيات التربوية التي تعلمنا كيف نقوم بتشكيل شخصيات أطفالنا و قيمهم و شعورهم إزاء أنفسهم بأسلوب ينمي لديهم تقديراً عالياً لذواتهم ، وثقة كبيرة بإمكانياتهم .
إن تقدير الذات لدى الطفل هو الذي يحدد كيفية تصرفه في مختلف المواقف و مدى قدراته على التعلم ، ولقد لوحظ أن الأطفال الذين لديهم تقديراً عال لذواتهم يتمتعون عامة بقدرات جيدة تمكنهم من الانسجام مع الآخرين و اكتساب مهارات جديدة و إيجاد الحلول المناسبة لأي مشكلة تعترضهم .
بخلاف أولئك الأطفال الذين يفتقرون إلى تقدير الذات حيث تنخفض قدراتهم على التعلم و ينعكس ذلك سلباً على شخصيتهم فيميلون إلى انتقاد إنجازات الغير و يعانون من الحساسية المرهفة و القلق الزائد إزاء ما يعتقده الآخرون عنهم .
ما المقصود بتقدير الذات ؟
يقول ( برايان ترايسي ) : إن 94% من الناجحين في الحياة ليسوا من ذو التحصيل الدراسي المتفوق ، ولكنهم يمتلكون مشاعر إيجابية أفضل عن ذواتهم جعلتهم أكثر قدرة على تحديد اتجاهاتهم و أهدافهم و التكيف مع التحديات التي تواجههم .
إن التعريف الأكثر قبولاً و انتشاراً لتقدير الذات حالياً هو ذلك الذي وضعه أولاً ( ناثانيال براندان ) 1993م ثم تبناه ( المجلس القومي لتقدير الذات ) و الذي يعرفه بأنه :
( إدراك الفرد لأهميته التي تدفعه إلى التصرف بمسؤولية إزاء نفسه و إزاء الآخرين ، وقدرته على مواجهة تحديات الحياة و الشعور بأنه جدير بالسعادة و جدير بالاحترام ) .
إن تقدير الذات عند الفرد هو درجة الرضا التي يشعر بها نحو ذاته و تقديره لأهميته الشخصية و أهمية مساعيه ، وهو لا ينطوي على غرور أو إشباع على حساب الآخرين بل إنه سعي الفرد الطبيعي للتفوق من خلال تحقيق أهدافه .
و هناك اتفاق بين الباحثين و العلماء المختصين على أن تقدير الذات يعزز جميع أوجه الحياة .
متى و كيف يتكون تقدير الذات ؟
يأتي الطفل إلى الدنيا و ليست لديه أية فكرة عن ذاته .. صفحة بيضاء فارغة من المعالم ، و حين بلوغه الأسبوع السادس من عمره تتشكل مشاعره الأولية عن ذاته وفقاً للكيفية التي تلبي فيها حاجاته الجسدية و الانفعالية من قبل والديه و سائر المتعاملين معه .
و أثناء تدرج الطفل في مراحل النمو المختلفة ... فإن تقديره لذاته يتغير حسب الطريقة التي يستجيب بها الأشخاص المهمون في حياته لمتطلباته ... و حسب درجة النجاح التي يحرزها في اجتيازه لكل مرحلة من مراحل النمو هذه .
و قد أشارت بعض التقارير الدولية إلى العلاقة المطردة بين الروابط العاطفية الأولى مع أمه و سلامة صحته الجسدية و النفسية و نموه العقلي ..
و هذا ما حدا ( جون بولبي 1969 ) و هو طبيب نفسي إنجليزي ليقرر أن ( الرباط بين الطفل و الأم هو ركيزة الصحة النفسية أو منطلق المرض النفسي ) .
لذلك فعلاقة الطفل بأمه أهم و أدق بكثير من علاقته بأبيه .. ذلك أنه يبدأ في تكون علاقة الود منذ الأسابيع الأولى لولادته ( بل إن هناك أبحاثاً علميه تؤكد بالنتائج العملية الملموسة أن اكتئاب الأم أثناء فترة الحمل يؤدي إلى ولادة أجنة مبتسرين ضعيفي النمو ذوي درجات منخفضة من الذكاء ) .
إن أعلى أنواع الالتحام هو الذي يكون بين الطفل و أمه .. أنه أول حب يدركه و أول تغذية و أول دعم ( وقد يكون أول حرمان ) و سوف يؤثر بعمق في طريقة إدراكه للعالم حين يصبح راشداً .
وهذا ما أشار إليه أريكسون في نظريته إلى ( أن الطفل يستمد ثقته بنفسه و بالآخرين من خلال علاقته بأمه ) .
وهذا لا يعني إغفال الدور الكبير الذي يلعبه الوالد في عملية تكوين الصورة الذاتية ، و التأثير الخطير لدور المعلم في تقدير الذات خاصة عند الطلاب الذين لا يحضون بانتباه إيجابي في عائلاتهم ، ثم دخول عامل مهم فعال جداً وذلك عند بلوغ الأطفال سن المراهقة ألا و هو كسب قبول الأقران .
ولكنني و دَدْت في حديثي هنا التركيز على دور الأم بالذات في تشكيل الصورة الذاتية لاستشعاري العميق بعظمة الدور الذي تلعبه في حياة طفلها .
إن المرحلة التي يشار إليها عادة بـ ( مرحلة السنتين الرهيبتين ) ربما تكون هي المرحلة الأهم في إدارك الطفل لتميزه وقوته الشخصية ، و التي يحتاج فيها إلى تدفق كبير من الحب و إلى جهود تربوية موجهة لتدعيم قدراته ومواهبه.
و مالم يحدث ذلك فقد تواجه صعوبات مستقبلية في تكوين شعور إيجابي و قوي بهويته الذاتية ، وفي بناء معرفة واعية بنقاط قوته وضعفه ، وينشأ عنده نقص نفسي و جوع عاطفي يجعله يمضي في حياته محاولاً أن يعوض النقص ، باحثاً عن الإشباع العاطفي ، بدلاً من الالتفاف لتطوير إمكانياته .
لذلك فإن مرحلة المشي و التدرب على الحمام التي يمر بها الأطفال لهي من أدق المراحل التي يبدأ معها الطفل في تكوين أول خطوط صورته الذاتية معتمداً في ذلك عللا استجابات و تشجيع والديه و من حوله .
فمثلاً إذا بدا الأبوان خائفين من وقوع الطفل عند بدئه خطواته الأولى فإن هذا يجعله يميل إلى أن يكون حذراً جداً و خائفاً من تكرار المحاولة .
و للعلم فإن كل طفل يولد بلا خوف ، وليس لديه إلا الخوف من الوقوع ، والخوف من الأصوات العالية أما بقية المخاوف الأخرى فيصنعها له من حوله .
و نقطة دقيقة أخرى لا بد من التعليق عليها هنا و هي : إصرار الأبوين ـ وهما شيء مقدس في نظر الطفل ـ على تدريبيه مبكراً على الحمام قبل أن تتمكن عضلات إخراجه بيولوجياً من التحكم في عملية الضبط و الإخراج (لا تكتمل قدرتها على التحكم قبل السنتين ) مما يشعره بشيء من الإحباط في حال عدم قدرته على تلبية توقعاتهما.
وعندما كلفت اللجنة المختصة بتقدير الذات عميد كلية الاجتماع في جامعة كاليفورنيا الدكتور نيل سميلرز ( Neil Smelser ) بأن ينقل إليها خلاصة الأبحاث المتعلقة بتثدير الذات خلص إلى القول بأن :
( تظهر الأبحاث أن التقدير المتدني للذات يسهم في مجموعة من السلوكيات التي تشكل أساس المشاكل الاجتماعية الرئيسية ، و أنني مقتنع بأهمية تقدير الذات كآلية مركزية يمكن من خلالها التخفيف من حدة المشاكل الاجتماعية ) .
و يعتبر ستيفنهاجن و بيرنز 1987م ( Steffenhagen & Burns ) أن التقدير المتدني للذات هو الآلية الديناميكية النفسية الكامنة وراء جميع السلوكيات المنحرفة .
و الآن ... ما الذي يمكنني فعله كأم لبناء تقدير عال للذات عند طفلي ؟
ـأن أدعم الصورة الذاتية الإيجابية لديه .
ـأن أنمي عنده سلوكيات تساعده على تفعيل ذاته .
ـأن أتجنب الممارسات السلبية و المعيقة لاحترامه لذاته .
ـأن أغذي بيئته بالخبرات الثرية التي تطور من قدراته .
ـوأخيراً أن أستنفذ كل ما بوسعي من أجل إسعاده .
إن عملية إنجاب الأطفال تتساوي فيها الغالبية العظمى من النساء ، لذلك وجب علينا أن نميز بين كلمة أم وكلمة والدة ، إن كل من تنجب طفلاً هي والدة ، و لكن ليست كل والدة أماً .
الكلمة الأولى مشتقة من كلمة الولادة ، و الثانية تحفل بالمعاني النبيلة ، وتستلزم مجاهدة للنفس و مثابرة مستمرة نحو هدف كبير يمتد إلى ما لا نهاية ، ويتطلب التطلع إليه شيئاً من التضحية و الصدق في تحمل تبعات المسئولية عند ذلك يحق للوالدة أن تقول : أنا أم .. فتباركت من صالحة وضع الله جنته تحد قدميها .
1ـ تجولي معه داخل قصره :
يمكن تشبيه الذات مثل قصر ذي غرف كثيرة ... و الذي ينتقل الطفل الصغير في أرجائه كلها .
( إنني ما أستطيع فعله ، إنني من أعرفه ، إنني ما أشعر به ، إنني ما أتذكر ، إنني الماضي الذي عشته ، إنني ما أملك ، إنني ما أفكر به ، إنني إلى أين أنتمي ) ... و تستمر القائمة تتابعاً .
بفهم هذا التنوع الكبير في الغرف يجب أن يصبح الوالدان قلقين عندما يختار الطفل أن يعيش في غرف أقل وأقل، وفي أسوأ الحالات يختزل مساحة القصر كلها في غرفة واحدة قد يشعر الطفل فيها بالارتباك عندما تصبح فارغة.
( عند انتقالي إلى مدرستي الجديدة و دعت كل أصدقائي القدماء ... و ليس لدي الآن أصدقاء ، إنني لا شئ بدون أصدقائي ) .
في هذه الحالة يحتاج الوالدان أن يساعدا الطفل في ملء الغرفة المفقودة و يعرفاه على المساحات المهجورة في قصره لمساعدته على رؤيته لذاته بصورة أعم و أشمل .
يمكنهما مثلاً استحداث بعض المناسبات الاجتماعية لطفلهما لإعانته على تكوين أصدقاء جدد ، و أن يشجعاه على ممارسة بعض النشاطات الفردية حتى يطور طرقاً جديدة للاستمتاع بوقته مع نفسه أحياناً ( من الجميل أن يكون لنا أصدقاء حميمون ، و لكنه من الممتع أحياناً أن نستمع برفقة أنفسنا ) .
إن التعيين المقيد للذات في مجال واحد يولد لدى الطفل مشاعر صعبة يمكنه تجاوزها بمساعدة والديه له للتعرف على مجالات أخرى رحبة للذات .
2ـ تحرير لا ترويض :
ما هو المنحى الذي تتوخاه أساليبنا التربوية ؟
هل هو لترويض أطفالنا بالصورة التي تناسبنا ، و تدعيم سلوكياتهم التي تسعدنا و تتناغم مع سلوكياتنا ؟
أم أنه تحرير لذواتهم و شخصياتهم من أي شبهة استنساخ .. و إطلاق العنان لها للانطلاق بوضوح للتعبير عن رغباتها ، و تقدير بكل الحب رغم اختلافها ؟
مثل كل الكائنات الاجتماعية الأخرى يتجه الجنس البشري إلى التشابه و التكيف لينال الراحة و الأمان ، لذلك يتعلم الطفل أنه من الأفضل أن ينسجم و يتشابه مع الأشخاص الذين يديرون النظام الأسري لكي يصبح محبوباً، ولكي يحصل على ما يحبه في المقابل دعنا نتأمل هذا الوضع :
الطفل الأول في العائلة تمت تنشئيه بصورة مشابهة لحد كبير لصورة الوالدين ، مريح و ودود و اجتماعي ، يملك مستوى عالٍ من النشاط و الطاقة و المهارات الرياضية ، يستمتع بممارسة اللعب مع الوالدين و مشاركتهم في اهتمامهم خارج المنزل ، و يؤلف الثلاثة معاً فريقاً رائعاً يتبادل فيه أفراده الإعجاب فيما بينهم .
ثم يأتي الطفل رقم اثنين و منذ البداية يبدو مختلفاً عن الطفل الأول : ضعيف البنية ، مولع بالتأمل ، أبطأ في النمو يفضل الجلوس في المنزل و ممارسة القراءة ، أقل انفتاحاً و صراحة .
و تبدأ المقارنات المهلكة ( طفلنا الأول كثير التحدث معنا ، يرغب في فعل ما نريده ، من الممتع أن نكون معه ، لكن الثاني يفضل أن يكون منفرداً و يصر على أن يظل مختلفاً ) .
عندما يعتقد الوالدان أن أحد أطفالهما ( سهل ) لتشابهه معهما ، و الأخر ( صعب ) لبعده عن الصورة الأسرية المطلوبة ، فإنهما يبدءان بالمساواة بين سهل و جيد ( سهل = جيد ) ، وبين صعب و سيء ( صعب = سيء ) .
و يستقبل الطفل الجيد المزيد من نظرات الاستحسان و المكافآت الإيجابية ، بينما يكون نصيب الطفل السيء جزءاً أقل من كل ذلك ، مما يجعله يشعر بالوحدة و الرفض ، وكلا الأمرين قاسيين على احترام الطفل لذاته ، فكل رسالة نوجهها له لكي يتغير تعني مزيداً من الرفض له .
هل انتهت الحكاية ؟
لا ... لأننا سنكتشف فيما بعد أن ( المكافأة على التشابه ) ليست معيقة لاحترام الذات عند الطفل السيء (الصعب) ، فقط بل إنها بالإضافة لذلك يمكنها أن تؤذي احترام الطفل الجيد ( السهل ) لذاته ... كيف ؟
لنتخيل ما يمكن أن يحدث في فترة المراهقة ... عند بدء مرحلة الاستقلالية ، سيظل الطفل الصعب يطالب بحقه في ممارسة شخصيته المتفردة و التي تحارب دوماً من أجلها ، و في النهاية سيتوقف الوالدان عن الصراع فيتقبلا طفلهما الصعب كما هو ، مع محاولتهما لرؤية بعض الجوانب الإيجابية في شخصيته .
أما الطفل الأول ـ و هو الطفل الجيد منذ البداية ـ قد تتكون لديه مشكلة من نوع أخر ، فلقد ضحى ببعض رغباته واختلافاته من أجل أن يحتفظ بهذه السمعة الإيجابية طوال الأعوام ، ولكي يسعد الوالدين و يتجنب موجة النقد التي يتلقاها الطفل الأصغر ، في حين ظل متجاهلاً و متنازلاً عن الجزء الذي يمثل بعض اختلافاته و خصوصيته ليستمر في كسب استحسانهم ، مما سيقوض بعض الشيء من تميزه و تفرده حين الكبر .
أحد أخطاء التربية هو أن لا يعترف باستقلال الولد الذاتي ، فينمو دون أية ثقة بالنفس ، فالولد بنظر بعض الوالدين كائن تابع يحققون من خلاله مشاريعهم الذاتية ، إنه ليس طفلاً بل كائناً يجب برمجته ليصبح ما قرروا هم أن يكون .
لذلك فلا بد للوالدين أن يتعاملا مع التشابه و الاختلاف في أطفالهما كنعمة إلهية أنعمها على كل شخص لكي تساعده على تكوين خصوصيته و بصمته الشخصية ، ويحتاج كل طفل لأن يتصرف بسهولة و صعوبة ، أحياناً جيد و أحياناً سيء ، لكننا لا بد من أن نُفهمه أننا نحبه و نقدره و نتقبله في كل الظروف .
تابع متى و كيف يتكون تقدير الذات ؟
3ـ عوديه مهارة التحدث الإيجابي مع الذات :
( إن ما تضعه في ذهنك سواء كان سلبياً أو إيجابياً ستجنيه في النهاية ) .
يطلق الدكتور إبراهيم الفقي لقب ( الإرهابي الداخلي ) على الأسلوب الذي يتبعه معظمنا عند التخاطب مع ذواتهم ، و الذي يبعث فيه الشخص إشارات سلبيه للعقل البطن ، و مع ترديدها باستمرار تصبح جزءاً من الاعتقادات القوية التي تؤدي إلى انهزامية في الصورة الذاتية .
لذلك فنحن نود قطع الطريق على هذا الإرهابي منذ الآن و منعه من اقتحام عقلية أطفالنا ، بتعويدهم على مهارة التحدث مع ذاتهم بإيجابية و ثقة ، عبر رسائل مشجعة تدعم خطواتهم بالحماس و التصميم تجاه تحقيق أهدافهم .
و إذا تفهمنا ميل الأطفال الطبيعي إلى تضخيم نقاط ضعفهم و التقليل من شأن قدراتهم فسنلاحظ أنهم اعتادوا النمط السلبي عند التحدث مع ذواتهم ( لا أستطيع أن أفعل هذا ، لا يمكنني فعل هذا بصورة صحيحة ، لا أعرف كيف أفعله ) .
و مثل هذه الإحباطات المدمرة يمكن أن تتحول إلى نبوءات تتحقق ذاتياً فتخنق أي مبادرات أو حوافز لدى هذا الطفل في المنزل أو في المدرسة .
لذلك فهناك عدة أساليب يمكننا اتباعها مع أطفالنا لتدريبهم على الحوار الإيجابي مع ذواتهم و منها :
1ـ تشجيع التحدث الإيجابي مع الذات قبل البدء بالمهمة المطلوبة :
حالما يكلف الطفل بأداء مهمة ما فإن شيئاً يشبه جهاز التسجيل يبدأ في الدوران داخل رأسه ، و لكي نتأكد أن ما يدور في عقله شيء إيجابي يمكننا أن نطلب منه أن يقول عبارتين إيجابيتين عن قدراته تجاه تنفيذ هذه المهمة .
مثلاً : أستطيع حفظ جدول الضرب بسهولة أنا ذكي و أستطيع حل جميع الأسئلة .
2ـ أعيدي صياغة عبارة ( لا أستطيع ) :
لا أستطيع إسطوانة مفضلة لدى الأطفال الذين يخافون الفشل ، فعندما تسند لهم مهمة لا تبدو صعبة أبداً فإنهم يتخلون عنها بسرعة و يستسلمون لاعتقادهم الخاطئ .
و هناك مصطلح يستخدمه ممارسي البرمجة اللُغوية العصبية NLP أسمه ( إعادة الصياغة أو التأطير Reframing ) لتغيير النظرة الحالية بنظرة مختلفة ، ولذلك نستطيع مساعدة أبنائنا عن طريق إعادة صياغة ( لا أستطيع ) بطريقتين :
أ ـ أوضح ثقتي بقدراته و لا أوافقه على عباراته السلبية ( بالطبع تستطيع ، كيف يمكنني مساعدتك ؟ ) أو (من فضلك أعد من ورائي ) ببذل الجهد تتحول لا أستطيع إلى ( أستطيع ) .
ب ـ أنشئ قانوناً ينص على ما يلي " في كل مرة تتلفظ بكلمة ( لا أستطيع ) أو ( لا أعرف ) لا بد أن تذكر عبارتين إيجابيتين عن نفسك بصوتٍ عالٍ " .
إن مثل هذا التمرين سيساعد الطفل على التركيز على الطريقة التي يتحدث بها عن نفسه بالإضافة إلى مساعدته على التدريب على إمكانية تحويل الصورة الذاتية السلبية إلى إيجابية .
في البداية قد يمانع الطفل و يشعر بالحرج لتلفظه بأشياء جيدة عن نفسه ، و لكن بمرور الزمن و التمرين المتواصل تصبح العبارات الإيجابية أمراً تلقائياً تماماً ، و عندها سيتضاءل الخوف من الفشل بدرجة كبيرة و يزداد لديه التفاؤل بإمكانياته .
4ـ لائحة السلوك : ضرورة عائلية ملحة :
إن وجود لائحة سلوك معدة بشكل جيد و شامل توضح فيها نوعية السلوكيات العائلية المتوقعة من الطفل داخل المنزل و الأخرى غير المرغوبة تجعل الطفل يشعر بالمسؤولية و الأمان لأنه يعرف نوعية السلوك المتوقع منه ، ونوعية الجزاء المترتب على ذلك .
و من الممكن أن يشارك الأطفال في إعداد لائحة السلوك و ذلك بأن يجيبوا و بشكل ودي على الأسئلة المطروحة عليهم ( ماذا تتوقع أمي مني ؟ ماذا يتوقع أبي مني ؟ ماذا يتوقع أخوتي مني ؟ ... ) .
و تسير الأبحاث التي قام بها ( كوبر سميث ) 1967م إلى أن ( الأطفال الذين ينشؤون في بيئة ذات حدود واضحة يشعرون بشكل أفضل نحو أنفسهم مقارنةً مع الأطفال الذين ينشؤون في بيئات متساهلة أو بيئات متساهلة أو بيئات أكثر سلطوية و عقابية و ذات قوانين صارمة ) .
و لا بد من تذكيرك بضرورة انتظامك و ثباتك على الالتزام بقوانين اللائحة ، لأن تذبذبك في هذا الأمر يفقد هذه القوانين هيبتها و تأثيرها على أطفالك .
ومن اللازم أيضاً ـ لسلامة ذوات أطفالنا ـ أن يكون هناك توافق في السياسات التربوية بين الوالدين و توحيد الرؤية التربوية لعائلتهما ، لأن تضارب الآراء ينعكس بشيء من القلق و الارتباك على نفسية الطفل ، كما يعلمه ذلك أن بإمكانه تجنب العقوبة عند توسط الطرف الآخر ، مما يجعله بارعاً في التوسل و استجداء العفو بدلاً من تحمل المسؤولية إزاء سلوكه .
5ـ وفَري له بيئة آمنة :
إن العائلة المتماسكة التي يسودها الحب و العطف و الحنان بشكل عام تؤدي لنمو الطفل بطريقة إيجابية فيما يخص نظرته لنفسه و للحياة و للآخرين ، على عكس العائلة المتفككة التي تسودها المشاكل و الخلافات العائلية خصوصاً بين الزوجين ، أو تلك التي يمارس فيها العنف الجسدي أو اللفظي .
و حسب رأي خبراء الصحة النفسية فإن طفل العائلة المتفككة هو ( مشروع مرض نفسي ) ممكن أن يتطور إلى حالة حرجة في أي وقت .
و نقلت صحيفة التايمز تقريراً عن كتاب أعدته المؤلفة ( جيني رينولدز ) بعنوان ( ليس أمام الأطفال ) و التي تذكر فيه أن نسبة 40 ـ 50 % من الأطفال الذين يعانون من وجود خلافات أسرية حادة يواجهون مشاكل في إقامة علاقات مع غيرهم ، وفي إحراز تقدم دراسي ) .
كما يذكر الكتاب أن المعاناة قد تزداد إذا كان الأطفال من أصحاب المزاج النفسي الصعب ، أو يفتقرون إلى استراتيجيات التكيف مع خلافات الوالدين .
لذلك فإن وجود علاقة حميمة بين الزوجين لها تأثير إيجابي على الحالة النفسية لأبنائهم كما تقلل من إمكانية حدوث السلوكيات المنحرفة .
و قد أكدت هذه الفكرة أيضاً إحدى الدراسات التي قدمت في مجال علم النفس و حملت عنوان ( التوافق الزوجي للمرأة و علاقته ببعض المشكلات السلوكية لدى الأبناء ) و هي دراسة في الإرشاد الديني الزواجي قدمتها الدكتورة مديحة منصور أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر .
و أشارت نتائج البحث إلى أن شكل العلاقة بين الزوجين له تأثير كبير على ذوات أبنائهم و أن أبناء الأمهات الغير متوافقات زواجياً أكثر معاناة في المشكلات الدراسية و الأسرية و النفسية ، و أن وجود الحب و الانسجام بين الزوجين يبعد الأسرة عن المشاكل و عن الحياة النمطية الرتيبة ، وينعكس إيجابياً على نفسية أبنائهم .
6ـ تجنبي النقد المهين للذات :
إن وقوع الخطأ لا يعني أن المخطئ أحمق أو مغفل إذ أن " كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابون " [1]، ولا بد أن يقع الطفل في أخطاء عديدة تكون سبيله نحو النمو و التطور .
لذلك فعلينا عند التعامل مع أخطاء طفلنا أن نتوجه إلى نقد الفعل الخاطئ نفسه و السلوك الشاذ ، و ليس إلى نقد ( ذات الطفل ) و توبيخ شخصيته و نعتها بألفاظ بذيئة و أوصاف مهينة .
يقول ( د . تشاد هيبلمستتر ) في كتابه ( ماذا تقول عندما تحدث نفسك ؟ ) : " أنه في خلال الـ 18 سنة الأولى من عمرنا و على افتراض نشأتنا وسط عائلة إيجابية لحد معقول فإنه قد قيل لك أكثر من ( 148,000 مرة كلمة (لا) أو ( لا تفعل ) " .
تخيلوا ( 148,000 ) مرة على الأقل حفرت فيها كلمة ( لا ) داخل أذهان أطفالنا ، مع ما يتبعها من صراخ و قسمات وجه مكشرة حادة و أحياناً ( مصاحبة الأيدي ) .
من سن 2 ـ 2,5 من عمر الطفل حيث تكون مرحلة التطور العاطفي للدماغ في أوج نموها ، فإن توجيه النقد السلبي المهين من قبل الوالدين سيء جداً لذات الطفل ، ويتولد لديه موقف .. لا أستطيع ، كما أنه قد يفقد الثقة بقدرته على النجاح ، مما يمنع الفرد مستقبلياً من تطوير نفسه بالإقدام على أي شيء جديد أو غير مألوف ، وكل هذا يعود إلى طفولته و ما كان يسمعه من أبويه ( لا تفعل ... اسكت ... لا تستطيع ) فرسخ في عقله أنه لن يستطيع للأبد .
و يقول ( سليجمان ) ـ ( الباحث المتخصص في التفكير الإيجابي ) ـ في هذا الشأن ( إن النقد الُمبالغ فيه ينتج عنه الإحساس بالذنب و الخجل بدرجة أكبر مما يستوعبها عقل الطفل ، كما أن التوقف تماماً عن توجيه أي نوع من اللوم يمحو الإحساس بالمسؤولية و يُضعف إرادة التغيير ) .
ما الحل إذن ؟ أهي أحجية ؟ كيف أنتقد دون أن أسيء ؟
يمكنني ذلك عبر التعرف على أساليب نقدية تتسم بالصيغة الإيجابية غير المهنية للذات و التي سنستنتجها من المثال التالي :
الطفلة سوسن البالغة من العمر 9 سنوات تركت غرفتها في حالة شديدة من الفوضى رغم تكرار والدتها لها بأن تقوم بترتيبها قبل الذهاب إلى أي مكان ، و مما زاد من غضب والديها هو أنهما كانا على موعد مع مستأجر يريد أن يعاين المنزل في ذلك الصباح ، و قد تحتم عليهما بسبب ما فعلته سوسن قضاء فترة من الوقت في تنظيم الغرفة على الرغم من ازدحام مواعيدهما في ذلك اليوم .
عند عودة سوسن للمنزل ، أدخلتها والدتها مباشرة و بهدوء إلى غرفتها لمعاتبتها على ما بدر منها .
نحن الآن أمام صيغتين ستلجأ إليهما والدة سوسن لتوضيح جوانب الموضوع لطفلتها :
ـ صيغة إيجابية غير محبطة للذات .
ـ صيغة سلبية و مهينة للذات .
الصيغة الأولى :
سوسن ، لقد قمتِ بفعل شيء أغضبني و والدك لدرجة كبيرة ( إن نقد الأم محدد لأنها تصف مشاعرها بدقة ) .
لقد منكِ ثلاث مرات أن ترتبي غرفتك و تنظفيها و لكنك في كل مرة تؤجلين إنجاز المطلوب منكِ ( هنا تصف الأم الحالة بدقة و تصف موقف سوسن بعبارات صادقة ) .
و بسبب عدم قيامك بتنظيف و ترتيب غرفتك ، و تواعدنا مع المستأجر لمعاينة المنزل ، فاضطررنا للقيام بذلك بأنفسنا ، مما أدى إلى تأخرنا عن مواعيد هامة لنا ، إن ترتيب الغرفة هو من مسؤولياتك و ليس من مسؤولياتنا .
( هنا تشرح الأم لسوسن سبب المشكلة و الأثر المترتب عليها ، ولذلك فالنقد و اللوم في موضعهما الصحيح ) .
سأطلب منكِ البقاء ربع ساعة في غرفتك ، و التفكير فيما حدث ، و أود أن تقترحي ثلاث طرق ستقومي بممارستها دوماً لجعل غرفتك نظيفة و منظمة ، و أنا واثقة أن ما حدث لن يتكرر البتة .
الصيغة الثانية :
( لماذا ينطبق على تصرفاتك اللامبالاة دائماً ؟ إنني في غاية الحنق من تصرفك ) إن كلمة دائماً تعني أن المشكلة كونية و لن تتغير .
( لقد نبهت عليكِ مليون مرة أن تحافظي على نظافة غرفتك ، ولكنك لا تلتزمي أبداً بما قلته ، ما حكايتك بالضبط ؟ ) .
أن أم سوسن تبالغ في وصف المشكلة ( مليون مرة ) و تجعل الإصلاح مستحيلاً ( لا تصغين البتة ) و كل ذلك لإشعار سوسن بالذنب ، كما أن عبارتها ( ما حكايتك بالضبط ؟ ) تلمح إلى أن هناك عيباً أو نقصاً دائماً ملازماً لشخصية سوسن .
( لقد حضر المستأجر في الصباح لمعاينة المنزل ، و كادت أن تحدث مصيبة ، لأن الانطباع الأول الذي يتكون لدى الشخص عند معاينته لبضاعة ما هو أهم انطباع و عليه يترتب كل شئ . كان من الممكن أن ينتج عن تصرفك فقدان المستأجر و خسارة الآلاف من النقود لعدم تأجيرنا للمنزل و يعني ذلك عدم تمكننا من شراء منزل جديد).
هنا تصف أم سوسن الموقف بطريقة مأساوية ، لأن كلامها يعني أن مجرد إهمال سوسن لتنظيف الغرفة كان سيترتب عليه الدمار الشامل للعائلة .
( و الآن .. ابقي في غرفتك و لن أكلمك . لتشعري بالخطأ الفظيع الذي ارتكبتيه ) إن هذا الأسلوب سيسبب الاكتئاب لسوسن و يشعرها بأنها مجرمة في حق أسرتها ، و ليس فيه أي شيء مفيد ستتعلم منه كيفية التعامل مع أخطائها في المستقبل .
لذلك فما نود أن نخلص إليه :
عندما نقوم بانتقاد أطفالنا فإننا نجعلهم ينظرون إلى العالم بصورتين : نظرة تفاؤلية نابعة من صورة ذاتية إيجابية ، أو نظرة تشاؤمية محبطة صادرة عن ذات سلبية يائسة .
7ـ عامليه كشخص مهم :
من أجل أن يشعر طفلي بأهمية فأنه يحتاج لأن يدرك كم هو مهم بالنسبة لي ، وهذا الشعور ينمو بالاحترام والانتباه ، إننا ننتبه إلى ما نعتبره هاماً ولا ننتبه إلى ما نعتبره تافهاً ، لذلك فإن حسن انتباهي لطفلي فإنه يعني أنني أهتم به .
و نحن ككبار نعلم إلى أي مدى نشعر بالإحباط و الغضب حين لا ينتبه أحد إلينا ، فما بالك بالأطفال .
لذلك فمن الأفضل اتباع الأساليب التالية عن التعامل معه :
* ـ الاستماع و الإصغاء : أصغي لأفكاره بجدية و اهتمام مع استخدام مهارات الاستماع مثل : ( الانحناء إلى مستواه ، الانتباه المركز له مع التواصل بالعينين ، والصمت حين يحاول التعبير عن احتياجاته ، استخدام اللغة غير المنطوقة مثل : الإيماء بالرأس ، الابتسام ، اللمسات الحانية ) .
* ـ عدم الاستهانة بأفكاره و استصغارها مع مراعاة تدعيمها بصدق لفظي و غير لفظي ( فلا نقول له رائع ـ ممتاز ، في حين أنه يرى أننا في الواقع غير منتبهين و أنظارنا مشدودة لمكان آخر ) .
* ـ احترام حقوقه داخل المنزل : مثل حقه في مكان خاص به ، في أن لا تمس أغراضه و أدواته الشخصية ، وفي عدم التعرض للعنف الجسدي سواء من الوالدين أو من الأخوة ، كتم أسراره إذا اشترط ذلك ، الوفاء بوعودنا له إذا وعدناه .
8 ـ علاقات دافئة من أجل مستقبل أكثر دفئاً :
إن معظم حالات التمرد المرضية التي تلاحظ عند المراهقين كان بالإمكان تلافيها لو أن الوالدين منحوا أبنائهم وقتاً مشبعاً بالاهتمام و الحنان .
و في كتاب له بعنوان ( الأب و ولده ) يخاطب ( الدكتور دودسون ) الآباء قائلاً : ( حاولوا أن تتخيلوا كيف يراكم ولدكم ، أليس صحيحاً أن 99% من دوركم ينحصر في مطالبته بأمر ما ، و تذكيره بشيء ما ، و إصدار التوجيهات إليه بالامتناع عن عمل ما أو في توبيخه على سلوك ما ؟
إذا كان جوابكم على السؤال بـ ( نعم ) فإنكم لستم بصدد إقامة علاقات حميمة عميقة بينكم و بينه ، إنه بحاجة إلى التواجد معكم في فترات لا تطالبونه أثنائها بأي شيء ، فترات تلهون فيها و تكونوا مسرورين خلالها بالتواجد معاً و حسب ، و تتركز الحاجة إلى مثل هذه الفترات في الخمس سنوات الأولى من حياة طفلكم ) .
و كلام ( الدكتور دودسون ) صحيح إلى حدٍ كبير ، فنحن قد نعطي أولادنا كل شيء ولكننا نضن عليهم أحياناً بشيء من وقتنا نمنحه مخصوصاً لهم . و نستمع فيه إلى هواجسهم و اهتماماتهم .
قد يودوا أن يرووا لنا شيئاً من مشاهداتهم أو قصة قرؤوها أو نكتةً سمعوها ، وقد يرغبوا بأن يطلعونا على لوحة قاموا برسمها أو عبارة تشجيع كتبتها المعلمة أو المعلم لهم أو موقف واجههم خلال نهارهم ، و إذا حاولنا أن نستمع إليهم فقد نستمع بأذن شاردة وعين متجولة هنا و هناك ، ولن يخفى على أطفالنا ذلك ، وفي هذه الحالة نكون قد أضعفنا من حيث لا نشاء و لا ندري من شعور طفلنا بقيمته الشخصية ، لأن تقديره لذاته مرتبط لحدٍ بعيد بتقدير أهله له .
لهذا فلا بد من تخصيص بعض الوقت للحديث الحر مع ولدنا مهما كثرت مشاغلنا ، قد يكون هذا الوقت محدداً جداً و لكن المهم أن يوجد و أن يتكرر بانتظام و أن نعوض نقصه الكمي في هذه الحال بكثافة حضورنا و نوعيته .
هكذا يشعر ولدنا أنه مهم بنظرنا بحد ذاته ، وليس فقط كمحلٍ لممارسة نشاطنا التربوي ، كإنسان مثلنا و ليس كتلميذ أو موضوع للتدريس و التهذيب و أنه يستطيع أن يكون في علاقته معنا فاعلاً و ليس فقط منفعلاً ، مسموعاً و ليس فقط سامعاً ، فتنمو من جزاء ذلك ثقته بنفسه .
أما نحن فسنجد من جهتنا متعة خاصة في هذه الأوقات التي يتاح لنا فيها أن نعايش أولادنا و نتعرف عليهم عن كثب و نقيم مشاركة حميمية تبشر باستمرار الود و الثقة بينهم و بيننا حتى عبر مآزم المراهقة و نكتسب بقربهم من نضارة الطفولة و شفافيتها و توثبها و قدراتها على التجديد ، فننجو من الرتابة و التحجر و نتعلم منهم أن نتساءل و أن نعيد النظر فيما ألفناه من آراء ، وهكذا نتربى من أولادنا مقابل تربيتنا لهم .
و تقرر الأبحاث أن العلاقة المبنية على الاهتمام و الرعاية من الوالدين نحو أطفالهم يكون لها أثر طويل المدى في تنمية الخيال لدى الطفل و تفعيل مهارات التكيف عنده ، بل و المحافظة على سلامة صحته الجسدية .
و في الدراسة التي قدمها كل من العالمين النفسيين ( ليندا روسيك و جاري شواردز ) إلى الملتقى الذي عقدته الجمعية الأمريكية المختصة بالظواهر النفسجسمية ـ ( The American Psychosomatic Society في شهر مارس 1996م ) ـ ، أثبت أن وجود علاقة بناءة بين الأباء و أبنائهم في الصغر يمكن أن يكون لها أكثر الآثار على مستقبل حياتهم .
وقد أجرى الباحثون في هذا البحث دراسة منذ خمس و ثلاثين عاماً تم فيها توجيه أسئلة لـ 87 شخص تقترب أعمارهم من العشرين و كانوا ينتمون في ذلك الوقت إلى جامعة هارفارد ، حيث طُلب منهم أن يسجلوا كتابياً تقديراتهم لما حصلوا عليه من الرعاية الإيجابية و الاهتمام الموجه من الوالدين ، و بعد مرور خمس و ثلاثين عاماً على هؤلاء المشاركين تمت مقابلتهم من جديد حيث أصبحوا الآن رجالاً في منتصف الخمسينيات من العمر ، فلوحظ أن الذين كانوا في السابق قد وصفوا آبائهم بأنهم أكثر حميمية و اهتماماً بهم لا يعانون إلا القليل من الأمراض الخطيرة ( كأمراض القلب و ارتفاع ضغط الدم و السكري ) أما الذين وصفوا آبائهم بأنهم لم يكونوا عادلين أو إيجابيين في اهتمامهم فإنهم يعانون الآن من أمراض جسمانية خطيرة .
و دراسات كهذه تؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه الآباء و تأثيره المستقبلي على صحة أطفالهم النفسية والجسدية .
و هناك اتجاه متزايد بين المختصين بمعالجة سلوك الأطفال يدعو إلى تدريب الوالدين على أن يشتركوا في اللعب العلاجي مع أطفالهم و إظهار الاهتمام الإيجابي أثناء لعبهم ، إن ( الدكتور راسيل باركلي ) ـ ( وهو من كبار الخبراء الأمريكيين المختصيين في معالجة الضمور العقلي و الجسدي ) ـ يقترح أن يقوم آباء الأطفال الذين يعانون من مشلات بتخصيص 20 دقيقة لأبنائهم يُشعرونهم فيها بالرعاية الإيجابية ، و بالرغم من أن هذا يُعتبر عاملاً هاماً خاصاً بالأطفال الذين يعانون من اضطرابات بسبب نقص الانتباه عندهم و الذين تعرضوا كثيراً لعدم الاهتمام بل و للنقد من مدرسيهم و أقرانهم و أفراد عائلتهم ، فإنه كذلك وصفة جيدة تصلح لكل الأطفال العاديين و بالإمكان تخصيص وقت لهم مرتين أو ثلاث في الأسبوع حتى نكون أكثر واقعية .
9ـ أوجدي لطفلك توقعات بناءة إيجابية :
( إن ما نتوقع أن يحدث يصبح دافعاً قوياً لنا للاتجاه نحو ما توقعناه )
لهذا فإنني إذا توقعت أن يكون أبني ناجحاً توقعاُ قوياً خامر دواخل شعوري ، فإن هذا التوقع سيرسم لي وله صورة ذهنية مستقبلية تكون حافزه الرئيس للبحث عن الظروف و الأحداث و الأشخاص التي ستحقق له نتائج توقعاته .
نحن لا نتوقع من أنفسنا و لا من أبنائنا ما يكفي ، و لذلك فلا يحقق معظمنا أكثر من خُمس إمكانياته ، وتحضرني هنا قصة واقعية أحب أن أرويها لكم :
( قال المدير في إحدى المدارس لثلاثة من المدرسين : بما أنكم أفضل ثلاثة مدرسين فقد اخترنا لكل منكم ثلاثين طالباً هم أفضل طلاب المدرسة ذكاءً لتدريسهم في صفوف خاصة ، ولكن لا تخبروا الطلاب و لا تخبروا أهلهم لأن هذا سيفسد الخطة ، درسوهم بشكل عادي تماماً ، و استخدموا المنهج العادي و نحن نتوقع لكم و لهم بإذن الله نتائج رائعة المستوى .
و فعلاً كانت النتائج رائعة و مختلفة عن المعهود و قال المدرسون : إنهم لمسوا تفهماً و تجاوباً من الطلاب بشكل لم يصادفوه من قبل .
و فيما بعد جرى إخبار المدرسين أن الموضوع لم يكن إلا تجربة ، و أن الطلاب هم طلاب عاديون تم انتقاء أسمائهم عشوائياً بلا ميزة خاصة ، و فوق ذلك فغن المدرسين هم أيضاً عاديون جرى سحب أسمائهم بالقرعة ) .
نلاحظ هنا أن التوقعات هي التي صنعت النتيجة مع أن المعلومات كانت في الأصل خاطئة .
وهنا نقول : ما يتوقعه الآباء و الأمهات من أبنائهم له أكبر الأثر في صنع سلوك هؤلاء الأبناء ، و لهذا فعلى الأبوين أن ينتبهوا ماذا يتوقعون من أبنائهم .
إن من أهم الممارسات المفعلة لذوات أبنائنا هو أن نتوقع لهم توقعات عالية تشحذ من هممهم و تتناسب مع ميولهم وقدراتهم .
و تكون البداية بتشجيعهم على تحديد المهارات التي يريدون تنميتها بعد تزويدهم بمعرفة واضحة و عميقة عن أهم نقاط القوة التي يمتلكونها في شخصياتهم ، و المصادر و المعلومات التي يحتاجونها للوصول لأهدافهم .
إننا نلاحظ فيما حولنا أن معظم الناس يتركون حياتهم تنساق بلا رؤية مميزة يمتلكونها لأنفسهم ، و يظل وضعهم عادياً أو مهمشاً و ليس فيه أي تفوق يذكر ، لأنهم للأسف لم يحددوا لأنفسهم أهدافاً واضحة ، ويعود السبب في ذلك لنشأتهم في أسر لم تكن الأهداف فيها تعطى قيمتها المطلوبة .
و للأسف فإن البيئة التعليمية نفسها تشجع هذا الوضع بعدم تخصصها و لو ساعة شهرية يركز فيها المدرسون و التربويون على تعليم الطلاب مهارة تحديد الأهداف .
من الممكن التدريب على هذه المهارة عبر جلسة عائلية منتظمة يقوم فيها أعضاء الأسرة باختيار أمر ما يقتنعون بأهميته و يريدون الحصول عليه ( إيجاد هدف عائلي موحد ) ، و يتم تبادل المعلومات و الخبرات فيما بينهم للتوصل إلى الطرق و المصادر المطلوبة لتحقيقه ، مع استمرارهم في تدعيم بعضهم للالتزام بالسعي نحو تحقيق هذا الهدف ، وتحتفل العائلة جميعها بحفل بسيط ودي عند تمكن إفرادها من بلوغ هدفهم المرحلي .
و هكذا سيفهم الطفل بالقدوة العملية أن وجود أهداف مستمرة في الحياة هو أمر جوهري و حيوي للنجاح .
عندما يقرر طفلك الالتزام بهدف ما ، فمن المفيد أن تحصلي منه على إقرار خطي بجدية التزامه نحو هذا الهدف، لأن كتابة الهدف و مراحل تنفيذه و تاريخ الانتهاء منه نقطة رئيسة في مهارة وضع الأهداف .
و لقد أجرت جامعة بيل دراسة في عام 1953م حول عدد الطلاب الذين لديهم أهداف واضحة مكتوبة ، و وجدت الدراسة أن 3 % فقط من طلاب السنة الأخيرة قد قاموا بذلك ، وبعد عشرين عاماً من حصولهم على التخرج قامت الجامعة بالاتصال بهؤلاء الطلاب جميعاً ، فوجدت أن الـ 3 % الذين قاموا بكتابة أهدافهم يحصلون على دخل مادي يعادل 97% من دخل الطلاب البقية الذين لم يكن لهم أهداف واضحة مكتوبة .
لقد حقق الكثير منا أهدافاً كنا نعدها مستحيلة التحقيق ، نظراً لأن شخصاً ما كان يؤمن بقدرتنا على تحقيقها ، وهذا ما يحتاجه طفلك الآن منك ، أن تؤمني بقدراته و أن تقدمي له كل الدعم و التشجيع و الحنان، إلى أن يصبح واثقاً من قدرته على تحقيق الهدف .
و في النهاية وددت لو أوجه سؤالاً دقيقاً لي و لك : لماذا نريد أن نحسن من أساليبنا التربوية ؟؟
فعندما تكون هناك ( لماذا ) واضحة و مقنعة عقلياً و فكرياً وروحياً ، فإننا لا محالة سوف نجد ( كيف ) بشكل إيجابي مثمر .
و قد تسهل عليك الإجابة حين تعلمي أن مؤتمر المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي تم عقده في القاهرة بتاريخ (27 يونيو ـ حزيران 2001م ) كان عنوانه ( دور تربية الطفل في الإصلاح الحضاري ) ، إيماناً من العلماء و المفكرين الإسلاميين بخطورة و أهمية تربية الطفل تربية صحيحة لتحقيق الإصلاح الحضاري المنتظر لأمتنا الإسلامية، وأن الإعداد الجيد للطفل المسلم هو من أهم أهم التحديات الحضارية التي تواجه الأمة .
للأمانة منقول
يطب لي هنا اناقش معكم كيف نستطيع تكوين صورة اكثر ايجابية لذوات اطفالنا ؟
و هي جزء من دورة ممارس البرمجة اللغوية العصبية التي اقدمها و يطيب لي التشارك معكم في التعلم .
الخريطة ليست هي المنطقة The map is not the territory:
تعد هذه المقولة من أهم الافتراضات التي يبنى عليها علم البرمجة اللُغوية العصبية NLP معظم تطبيقاته ، فما رسالة هذه المقولة ؟ و ما علاقتها ببناء صورة أكثر إيجابية لذوات أطفالنا ؟
( إننا لا نرى العالم كما هو بل تبرمجنا على رؤيته .. و عندما نفتح أفواهنا لنصف ما نراه فنحن في الواقع نصف ذواتنا و مدركاتنا و معاييرنا الشخصية ) .
إن العالم في أذهاننا هو غير العالم الواقعي الذي نعيش فيه ، فهو عالم محدود مختصر مبتسر و مع ذلك فنحن مقتنعون بأن العالم هو ما نراه و ما نسمع و نحس به و ليس شئياً آخر .
لقد تسللت الكثير من المؤثرات و الخبرات بهدوء و خلسة داخل عالمنا الشخصي ناسخة عبر الأيام صورة غنية بألوان من الاعتقادات و المفاهيم المغروسة بعمق و بلا وعي في أعماق وجداننا مكونة ما يسمى ( الصورة الذاتية ).
و لو وددنا البحث عن المفتاح الأساسي لشخصية الإنسان و معنى سلوكياته فسنجده قابعاً بسرية داخل تعاريج هذه الصورة و التي تحولت شيئاً فشيئاً إلى إطار محدود المساحة ذو سياج عال تكاثفت أسلاكه حتى أصبح سجناً يكبل صاحبه ـ في بعض الأحيان ـ بأغلال و همية من الاعتقادات اللامنطقية و اللاواقعية ، مانعة إياه من الانطلاق بثقة نحو مساحات أرحب من القدرة و الفعالية .
و الإشكالية الدقيقة هنا هي ( أن هذه المعتقدات تحد من إدراكنا للعالم و لها أكبر الأثر في حياتنا سلباً و إيجاباً .. لأن ما يعتقد الإنسان أنه صحيح اعتقاداً يتغلغل إلى شعوره فسوف يشكل هذا الاعتقاد حياته ) .
و إذا أخذنا في الاعتبار ما يقوله ( الدكتور تاد جيمس ) بأن ( 90 % من مجموع هذه الاعتقادات و القيم قد تخزنت في العمر ) .
و المتوافق لحد ما مع ما يقوله الدكتور ( بلوم Bloom ) و الذي يقرر أن ( الطفل يكتسب 35 % من معارفه في السادسة من العمر ، ثم ترتفع هذه النسبة إلى 75 % في الثالثة عشر ، ثم 100% في الثامنة عشر ) .
وقارنا ذلك بما يذكره ( برايان ترايسي ) من أن الإنسان يقضي الـ 30 أو 40 سنة من عمره في التغلب على مشكلات الخمس سنوات الأولى .
و تعليق د . نادر فرجاني ( مدير مركز المشكاة للبحث ) على الخرافة السائدة في مجتمعنا عن مخ الطفل الصغير الذي لا يفقه أو يدرك شيئاً و أنها مسلمة بعيدة تماماً عن الصحة ، لأن جماع الرأي العلمي الآن على أهمية تنشئة الطفل العقلية في السنوات المبكرة الأولى من العمر تأثيراً بالغ الأهمية على معمار المخ و على أدائه بقية الحياة .
فإننا نخلص إلى أهمية السنوات الأولى في حياة أطفالنا ، و أنها المرجعية الرئيسية في تكوين صورتهم الذاتية و التي هي نافذتهم على العالم فيما بعد .
و من هنا فأنا أرى أن أهم ما نستطيع فعله كوالدين هو اكتساب التقنيات التربوية التي تعلمنا كيف نقوم بتشكيل شخصيات أطفالنا و قيمهم و شعورهم إزاء أنفسهم بأسلوب ينمي لديهم تقديراً عالياً لذواتهم ، وثقة كبيرة بإمكانياتهم .
إن تقدير الذات لدى الطفل هو الذي يحدد كيفية تصرفه في مختلف المواقف و مدى قدراته على التعلم ، ولقد لوحظ أن الأطفال الذين لديهم تقديراً عال لذواتهم يتمتعون عامة بقدرات جيدة تمكنهم من الانسجام مع الآخرين و اكتساب مهارات جديدة و إيجاد الحلول المناسبة لأي مشكلة تعترضهم .
بخلاف أولئك الأطفال الذين يفتقرون إلى تقدير الذات حيث تنخفض قدراتهم على التعلم و ينعكس ذلك سلباً على شخصيتهم فيميلون إلى انتقاد إنجازات الغير و يعانون من الحساسية المرهفة و القلق الزائد إزاء ما يعتقده الآخرون عنهم .
ما المقصود بتقدير الذات ؟
يقول ( برايان ترايسي ) : إن 94% من الناجحين في الحياة ليسوا من ذو التحصيل الدراسي المتفوق ، ولكنهم يمتلكون مشاعر إيجابية أفضل عن ذواتهم جعلتهم أكثر قدرة على تحديد اتجاهاتهم و أهدافهم و التكيف مع التحديات التي تواجههم .
إن التعريف الأكثر قبولاً و انتشاراً لتقدير الذات حالياً هو ذلك الذي وضعه أولاً ( ناثانيال براندان ) 1993م ثم تبناه ( المجلس القومي لتقدير الذات ) و الذي يعرفه بأنه :
( إدراك الفرد لأهميته التي تدفعه إلى التصرف بمسؤولية إزاء نفسه و إزاء الآخرين ، وقدرته على مواجهة تحديات الحياة و الشعور بأنه جدير بالسعادة و جدير بالاحترام ) .
إن تقدير الذات عند الفرد هو درجة الرضا التي يشعر بها نحو ذاته و تقديره لأهميته الشخصية و أهمية مساعيه ، وهو لا ينطوي على غرور أو إشباع على حساب الآخرين بل إنه سعي الفرد الطبيعي للتفوق من خلال تحقيق أهدافه .
و هناك اتفاق بين الباحثين و العلماء المختصين على أن تقدير الذات يعزز جميع أوجه الحياة .
متى و كيف يتكون تقدير الذات ؟
يأتي الطفل إلى الدنيا و ليست لديه أية فكرة عن ذاته .. صفحة بيضاء فارغة من المعالم ، و حين بلوغه الأسبوع السادس من عمره تتشكل مشاعره الأولية عن ذاته وفقاً للكيفية التي تلبي فيها حاجاته الجسدية و الانفعالية من قبل والديه و سائر المتعاملين معه .
و أثناء تدرج الطفل في مراحل النمو المختلفة ... فإن تقديره لذاته يتغير حسب الطريقة التي يستجيب بها الأشخاص المهمون في حياته لمتطلباته ... و حسب درجة النجاح التي يحرزها في اجتيازه لكل مرحلة من مراحل النمو هذه .
و قد أشارت بعض التقارير الدولية إلى العلاقة المطردة بين الروابط العاطفية الأولى مع أمه و سلامة صحته الجسدية و النفسية و نموه العقلي ..
و هذا ما حدا ( جون بولبي 1969 ) و هو طبيب نفسي إنجليزي ليقرر أن ( الرباط بين الطفل و الأم هو ركيزة الصحة النفسية أو منطلق المرض النفسي ) .
لذلك فعلاقة الطفل بأمه أهم و أدق بكثير من علاقته بأبيه .. ذلك أنه يبدأ في تكون علاقة الود منذ الأسابيع الأولى لولادته ( بل إن هناك أبحاثاً علميه تؤكد بالنتائج العملية الملموسة أن اكتئاب الأم أثناء فترة الحمل يؤدي إلى ولادة أجنة مبتسرين ضعيفي النمو ذوي درجات منخفضة من الذكاء ) .
إن أعلى أنواع الالتحام هو الذي يكون بين الطفل و أمه .. أنه أول حب يدركه و أول تغذية و أول دعم ( وقد يكون أول حرمان ) و سوف يؤثر بعمق في طريقة إدراكه للعالم حين يصبح راشداً .
وهذا ما أشار إليه أريكسون في نظريته إلى ( أن الطفل يستمد ثقته بنفسه و بالآخرين من خلال علاقته بأمه ) .
وهذا لا يعني إغفال الدور الكبير الذي يلعبه الوالد في عملية تكوين الصورة الذاتية ، و التأثير الخطير لدور المعلم في تقدير الذات خاصة عند الطلاب الذين لا يحضون بانتباه إيجابي في عائلاتهم ، ثم دخول عامل مهم فعال جداً وذلك عند بلوغ الأطفال سن المراهقة ألا و هو كسب قبول الأقران .
ولكنني و دَدْت في حديثي هنا التركيز على دور الأم بالذات في تشكيل الصورة الذاتية لاستشعاري العميق بعظمة الدور الذي تلعبه في حياة طفلها .
إن المرحلة التي يشار إليها عادة بـ ( مرحلة السنتين الرهيبتين ) ربما تكون هي المرحلة الأهم في إدارك الطفل لتميزه وقوته الشخصية ، و التي يحتاج فيها إلى تدفق كبير من الحب و إلى جهود تربوية موجهة لتدعيم قدراته ومواهبه.
و مالم يحدث ذلك فقد تواجه صعوبات مستقبلية في تكوين شعور إيجابي و قوي بهويته الذاتية ، وفي بناء معرفة واعية بنقاط قوته وضعفه ، وينشأ عنده نقص نفسي و جوع عاطفي يجعله يمضي في حياته محاولاً أن يعوض النقص ، باحثاً عن الإشباع العاطفي ، بدلاً من الالتفاف لتطوير إمكانياته .
لذلك فإن مرحلة المشي و التدرب على الحمام التي يمر بها الأطفال لهي من أدق المراحل التي يبدأ معها الطفل في تكوين أول خطوط صورته الذاتية معتمداً في ذلك عللا استجابات و تشجيع والديه و من حوله .
فمثلاً إذا بدا الأبوان خائفين من وقوع الطفل عند بدئه خطواته الأولى فإن هذا يجعله يميل إلى أن يكون حذراً جداً و خائفاً من تكرار المحاولة .
و للعلم فإن كل طفل يولد بلا خوف ، وليس لديه إلا الخوف من الوقوع ، والخوف من الأصوات العالية أما بقية المخاوف الأخرى فيصنعها له من حوله .
و نقطة دقيقة أخرى لا بد من التعليق عليها هنا و هي : إصرار الأبوين ـ وهما شيء مقدس في نظر الطفل ـ على تدريبيه مبكراً على الحمام قبل أن تتمكن عضلات إخراجه بيولوجياً من التحكم في عملية الضبط و الإخراج (لا تكتمل قدرتها على التحكم قبل السنتين ) مما يشعره بشيء من الإحباط في حال عدم قدرته على تلبية توقعاتهما.
وعندما كلفت اللجنة المختصة بتقدير الذات عميد كلية الاجتماع في جامعة كاليفورنيا الدكتور نيل سميلرز ( Neil Smelser ) بأن ينقل إليها خلاصة الأبحاث المتعلقة بتثدير الذات خلص إلى القول بأن :
( تظهر الأبحاث أن التقدير المتدني للذات يسهم في مجموعة من السلوكيات التي تشكل أساس المشاكل الاجتماعية الرئيسية ، و أنني مقتنع بأهمية تقدير الذات كآلية مركزية يمكن من خلالها التخفيف من حدة المشاكل الاجتماعية ) .
و يعتبر ستيفنهاجن و بيرنز 1987م ( Steffenhagen & Burns ) أن التقدير المتدني للذات هو الآلية الديناميكية النفسية الكامنة وراء جميع السلوكيات المنحرفة .
و الآن ... ما الذي يمكنني فعله كأم لبناء تقدير عال للذات عند طفلي ؟
ـأن أدعم الصورة الذاتية الإيجابية لديه .
ـأن أنمي عنده سلوكيات تساعده على تفعيل ذاته .
ـأن أتجنب الممارسات السلبية و المعيقة لاحترامه لذاته .
ـأن أغذي بيئته بالخبرات الثرية التي تطور من قدراته .
ـوأخيراً أن أستنفذ كل ما بوسعي من أجل إسعاده .
إن عملية إنجاب الأطفال تتساوي فيها الغالبية العظمى من النساء ، لذلك وجب علينا أن نميز بين كلمة أم وكلمة والدة ، إن كل من تنجب طفلاً هي والدة ، و لكن ليست كل والدة أماً .
الكلمة الأولى مشتقة من كلمة الولادة ، و الثانية تحفل بالمعاني النبيلة ، وتستلزم مجاهدة للنفس و مثابرة مستمرة نحو هدف كبير يمتد إلى ما لا نهاية ، ويتطلب التطلع إليه شيئاً من التضحية و الصدق في تحمل تبعات المسئولية عند ذلك يحق للوالدة أن تقول : أنا أم .. فتباركت من صالحة وضع الله جنته تحد قدميها .
1ـ تجولي معه داخل قصره :
يمكن تشبيه الذات مثل قصر ذي غرف كثيرة ... و الذي ينتقل الطفل الصغير في أرجائه كلها .
( إنني ما أستطيع فعله ، إنني من أعرفه ، إنني ما أشعر به ، إنني ما أتذكر ، إنني الماضي الذي عشته ، إنني ما أملك ، إنني ما أفكر به ، إنني إلى أين أنتمي ) ... و تستمر القائمة تتابعاً .
بفهم هذا التنوع الكبير في الغرف يجب أن يصبح الوالدان قلقين عندما يختار الطفل أن يعيش في غرف أقل وأقل، وفي أسوأ الحالات يختزل مساحة القصر كلها في غرفة واحدة قد يشعر الطفل فيها بالارتباك عندما تصبح فارغة.
( عند انتقالي إلى مدرستي الجديدة و دعت كل أصدقائي القدماء ... و ليس لدي الآن أصدقاء ، إنني لا شئ بدون أصدقائي ) .
في هذه الحالة يحتاج الوالدان أن يساعدا الطفل في ملء الغرفة المفقودة و يعرفاه على المساحات المهجورة في قصره لمساعدته على رؤيته لذاته بصورة أعم و أشمل .
يمكنهما مثلاً استحداث بعض المناسبات الاجتماعية لطفلهما لإعانته على تكوين أصدقاء جدد ، و أن يشجعاه على ممارسة بعض النشاطات الفردية حتى يطور طرقاً جديدة للاستمتاع بوقته مع نفسه أحياناً ( من الجميل أن يكون لنا أصدقاء حميمون ، و لكنه من الممتع أحياناً أن نستمع برفقة أنفسنا ) .
إن التعيين المقيد للذات في مجال واحد يولد لدى الطفل مشاعر صعبة يمكنه تجاوزها بمساعدة والديه له للتعرف على مجالات أخرى رحبة للذات .
2ـ تحرير لا ترويض :
ما هو المنحى الذي تتوخاه أساليبنا التربوية ؟
هل هو لترويض أطفالنا بالصورة التي تناسبنا ، و تدعيم سلوكياتهم التي تسعدنا و تتناغم مع سلوكياتنا ؟
أم أنه تحرير لذواتهم و شخصياتهم من أي شبهة استنساخ .. و إطلاق العنان لها للانطلاق بوضوح للتعبير عن رغباتها ، و تقدير بكل الحب رغم اختلافها ؟
مثل كل الكائنات الاجتماعية الأخرى يتجه الجنس البشري إلى التشابه و التكيف لينال الراحة و الأمان ، لذلك يتعلم الطفل أنه من الأفضل أن ينسجم و يتشابه مع الأشخاص الذين يديرون النظام الأسري لكي يصبح محبوباً، ولكي يحصل على ما يحبه في المقابل دعنا نتأمل هذا الوضع :
الطفل الأول في العائلة تمت تنشئيه بصورة مشابهة لحد كبير لصورة الوالدين ، مريح و ودود و اجتماعي ، يملك مستوى عالٍ من النشاط و الطاقة و المهارات الرياضية ، يستمتع بممارسة اللعب مع الوالدين و مشاركتهم في اهتمامهم خارج المنزل ، و يؤلف الثلاثة معاً فريقاً رائعاً يتبادل فيه أفراده الإعجاب فيما بينهم .
ثم يأتي الطفل رقم اثنين و منذ البداية يبدو مختلفاً عن الطفل الأول : ضعيف البنية ، مولع بالتأمل ، أبطأ في النمو يفضل الجلوس في المنزل و ممارسة القراءة ، أقل انفتاحاً و صراحة .
و تبدأ المقارنات المهلكة ( طفلنا الأول كثير التحدث معنا ، يرغب في فعل ما نريده ، من الممتع أن نكون معه ، لكن الثاني يفضل أن يكون منفرداً و يصر على أن يظل مختلفاً ) .
عندما يعتقد الوالدان أن أحد أطفالهما ( سهل ) لتشابهه معهما ، و الأخر ( صعب ) لبعده عن الصورة الأسرية المطلوبة ، فإنهما يبدءان بالمساواة بين سهل و جيد ( سهل = جيد ) ، وبين صعب و سيء ( صعب = سيء ) .
و يستقبل الطفل الجيد المزيد من نظرات الاستحسان و المكافآت الإيجابية ، بينما يكون نصيب الطفل السيء جزءاً أقل من كل ذلك ، مما يجعله يشعر بالوحدة و الرفض ، وكلا الأمرين قاسيين على احترام الطفل لذاته ، فكل رسالة نوجهها له لكي يتغير تعني مزيداً من الرفض له .
هل انتهت الحكاية ؟
لا ... لأننا سنكتشف فيما بعد أن ( المكافأة على التشابه ) ليست معيقة لاحترام الذات عند الطفل السيء (الصعب) ، فقط بل إنها بالإضافة لذلك يمكنها أن تؤذي احترام الطفل الجيد ( السهل ) لذاته ... كيف ؟
لنتخيل ما يمكن أن يحدث في فترة المراهقة ... عند بدء مرحلة الاستقلالية ، سيظل الطفل الصعب يطالب بحقه في ممارسة شخصيته المتفردة و التي تحارب دوماً من أجلها ، و في النهاية سيتوقف الوالدان عن الصراع فيتقبلا طفلهما الصعب كما هو ، مع محاولتهما لرؤية بعض الجوانب الإيجابية في شخصيته .
أما الطفل الأول ـ و هو الطفل الجيد منذ البداية ـ قد تتكون لديه مشكلة من نوع أخر ، فلقد ضحى ببعض رغباته واختلافاته من أجل أن يحتفظ بهذه السمعة الإيجابية طوال الأعوام ، ولكي يسعد الوالدين و يتجنب موجة النقد التي يتلقاها الطفل الأصغر ، في حين ظل متجاهلاً و متنازلاً عن الجزء الذي يمثل بعض اختلافاته و خصوصيته ليستمر في كسب استحسانهم ، مما سيقوض بعض الشيء من تميزه و تفرده حين الكبر .
أحد أخطاء التربية هو أن لا يعترف باستقلال الولد الذاتي ، فينمو دون أية ثقة بالنفس ، فالولد بنظر بعض الوالدين كائن تابع يحققون من خلاله مشاريعهم الذاتية ، إنه ليس طفلاً بل كائناً يجب برمجته ليصبح ما قرروا هم أن يكون .
لذلك فلا بد للوالدين أن يتعاملا مع التشابه و الاختلاف في أطفالهما كنعمة إلهية أنعمها على كل شخص لكي تساعده على تكوين خصوصيته و بصمته الشخصية ، ويحتاج كل طفل لأن يتصرف بسهولة و صعوبة ، أحياناً جيد و أحياناً سيء ، لكننا لا بد من أن نُفهمه أننا نحبه و نقدره و نتقبله في كل الظروف .
تابع متى و كيف يتكون تقدير الذات ؟
3ـ عوديه مهارة التحدث الإيجابي مع الذات :
( إن ما تضعه في ذهنك سواء كان سلبياً أو إيجابياً ستجنيه في النهاية ) .
يطلق الدكتور إبراهيم الفقي لقب ( الإرهابي الداخلي ) على الأسلوب الذي يتبعه معظمنا عند التخاطب مع ذواتهم ، و الذي يبعث فيه الشخص إشارات سلبيه للعقل البطن ، و مع ترديدها باستمرار تصبح جزءاً من الاعتقادات القوية التي تؤدي إلى انهزامية في الصورة الذاتية .
لذلك فنحن نود قطع الطريق على هذا الإرهابي منذ الآن و منعه من اقتحام عقلية أطفالنا ، بتعويدهم على مهارة التحدث مع ذاتهم بإيجابية و ثقة ، عبر رسائل مشجعة تدعم خطواتهم بالحماس و التصميم تجاه تحقيق أهدافهم .
و إذا تفهمنا ميل الأطفال الطبيعي إلى تضخيم نقاط ضعفهم و التقليل من شأن قدراتهم فسنلاحظ أنهم اعتادوا النمط السلبي عند التحدث مع ذواتهم ( لا أستطيع أن أفعل هذا ، لا يمكنني فعل هذا بصورة صحيحة ، لا أعرف كيف أفعله ) .
و مثل هذه الإحباطات المدمرة يمكن أن تتحول إلى نبوءات تتحقق ذاتياً فتخنق أي مبادرات أو حوافز لدى هذا الطفل في المنزل أو في المدرسة .
لذلك فهناك عدة أساليب يمكننا اتباعها مع أطفالنا لتدريبهم على الحوار الإيجابي مع ذواتهم و منها :
1ـ تشجيع التحدث الإيجابي مع الذات قبل البدء بالمهمة المطلوبة :
حالما يكلف الطفل بأداء مهمة ما فإن شيئاً يشبه جهاز التسجيل يبدأ في الدوران داخل رأسه ، و لكي نتأكد أن ما يدور في عقله شيء إيجابي يمكننا أن نطلب منه أن يقول عبارتين إيجابيتين عن قدراته تجاه تنفيذ هذه المهمة .
مثلاً : أستطيع حفظ جدول الضرب بسهولة أنا ذكي و أستطيع حل جميع الأسئلة .
2ـ أعيدي صياغة عبارة ( لا أستطيع ) :
لا أستطيع إسطوانة مفضلة لدى الأطفال الذين يخافون الفشل ، فعندما تسند لهم مهمة لا تبدو صعبة أبداً فإنهم يتخلون عنها بسرعة و يستسلمون لاعتقادهم الخاطئ .
و هناك مصطلح يستخدمه ممارسي البرمجة اللُغوية العصبية NLP أسمه ( إعادة الصياغة أو التأطير Reframing ) لتغيير النظرة الحالية بنظرة مختلفة ، ولذلك نستطيع مساعدة أبنائنا عن طريق إعادة صياغة ( لا أستطيع ) بطريقتين :
أ ـ أوضح ثقتي بقدراته و لا أوافقه على عباراته السلبية ( بالطبع تستطيع ، كيف يمكنني مساعدتك ؟ ) أو (من فضلك أعد من ورائي ) ببذل الجهد تتحول لا أستطيع إلى ( أستطيع ) .
ب ـ أنشئ قانوناً ينص على ما يلي " في كل مرة تتلفظ بكلمة ( لا أستطيع ) أو ( لا أعرف ) لا بد أن تذكر عبارتين إيجابيتين عن نفسك بصوتٍ عالٍ " .
إن مثل هذا التمرين سيساعد الطفل على التركيز على الطريقة التي يتحدث بها عن نفسه بالإضافة إلى مساعدته على التدريب على إمكانية تحويل الصورة الذاتية السلبية إلى إيجابية .
في البداية قد يمانع الطفل و يشعر بالحرج لتلفظه بأشياء جيدة عن نفسه ، و لكن بمرور الزمن و التمرين المتواصل تصبح العبارات الإيجابية أمراً تلقائياً تماماً ، و عندها سيتضاءل الخوف من الفشل بدرجة كبيرة و يزداد لديه التفاؤل بإمكانياته .
4ـ لائحة السلوك : ضرورة عائلية ملحة :
إن وجود لائحة سلوك معدة بشكل جيد و شامل توضح فيها نوعية السلوكيات العائلية المتوقعة من الطفل داخل المنزل و الأخرى غير المرغوبة تجعل الطفل يشعر بالمسؤولية و الأمان لأنه يعرف نوعية السلوك المتوقع منه ، ونوعية الجزاء المترتب على ذلك .
و من الممكن أن يشارك الأطفال في إعداد لائحة السلوك و ذلك بأن يجيبوا و بشكل ودي على الأسئلة المطروحة عليهم ( ماذا تتوقع أمي مني ؟ ماذا يتوقع أبي مني ؟ ماذا يتوقع أخوتي مني ؟ ... ) .
و تسير الأبحاث التي قام بها ( كوبر سميث ) 1967م إلى أن ( الأطفال الذين ينشؤون في بيئة ذات حدود واضحة يشعرون بشكل أفضل نحو أنفسهم مقارنةً مع الأطفال الذين ينشؤون في بيئات متساهلة أو بيئات متساهلة أو بيئات أكثر سلطوية و عقابية و ذات قوانين صارمة ) .
و لا بد من تذكيرك بضرورة انتظامك و ثباتك على الالتزام بقوانين اللائحة ، لأن تذبذبك في هذا الأمر يفقد هذه القوانين هيبتها و تأثيرها على أطفالك .
ومن اللازم أيضاً ـ لسلامة ذوات أطفالنا ـ أن يكون هناك توافق في السياسات التربوية بين الوالدين و توحيد الرؤية التربوية لعائلتهما ، لأن تضارب الآراء ينعكس بشيء من القلق و الارتباك على نفسية الطفل ، كما يعلمه ذلك أن بإمكانه تجنب العقوبة عند توسط الطرف الآخر ، مما يجعله بارعاً في التوسل و استجداء العفو بدلاً من تحمل المسؤولية إزاء سلوكه .
5ـ وفَري له بيئة آمنة :
إن العائلة المتماسكة التي يسودها الحب و العطف و الحنان بشكل عام تؤدي لنمو الطفل بطريقة إيجابية فيما يخص نظرته لنفسه و للحياة و للآخرين ، على عكس العائلة المتفككة التي تسودها المشاكل و الخلافات العائلية خصوصاً بين الزوجين ، أو تلك التي يمارس فيها العنف الجسدي أو اللفظي .
و حسب رأي خبراء الصحة النفسية فإن طفل العائلة المتفككة هو ( مشروع مرض نفسي ) ممكن أن يتطور إلى حالة حرجة في أي وقت .
و نقلت صحيفة التايمز تقريراً عن كتاب أعدته المؤلفة ( جيني رينولدز ) بعنوان ( ليس أمام الأطفال ) و التي تذكر فيه أن نسبة 40 ـ 50 % من الأطفال الذين يعانون من وجود خلافات أسرية حادة يواجهون مشاكل في إقامة علاقات مع غيرهم ، وفي إحراز تقدم دراسي ) .
كما يذكر الكتاب أن المعاناة قد تزداد إذا كان الأطفال من أصحاب المزاج النفسي الصعب ، أو يفتقرون إلى استراتيجيات التكيف مع خلافات الوالدين .
لذلك فإن وجود علاقة حميمة بين الزوجين لها تأثير إيجابي على الحالة النفسية لأبنائهم كما تقلل من إمكانية حدوث السلوكيات المنحرفة .
و قد أكدت هذه الفكرة أيضاً إحدى الدراسات التي قدمت في مجال علم النفس و حملت عنوان ( التوافق الزوجي للمرأة و علاقته ببعض المشكلات السلوكية لدى الأبناء ) و هي دراسة في الإرشاد الديني الزواجي قدمتها الدكتورة مديحة منصور أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر .
و أشارت نتائج البحث إلى أن شكل العلاقة بين الزوجين له تأثير كبير على ذوات أبنائهم و أن أبناء الأمهات الغير متوافقات زواجياً أكثر معاناة في المشكلات الدراسية و الأسرية و النفسية ، و أن وجود الحب و الانسجام بين الزوجين يبعد الأسرة عن المشاكل و عن الحياة النمطية الرتيبة ، وينعكس إيجابياً على نفسية أبنائهم .
6ـ تجنبي النقد المهين للذات :
إن وقوع الخطأ لا يعني أن المخطئ أحمق أو مغفل إذ أن " كل ابن آدم خطاء و خير الخطائين التوابون " [1]، ولا بد أن يقع الطفل في أخطاء عديدة تكون سبيله نحو النمو و التطور .
لذلك فعلينا عند التعامل مع أخطاء طفلنا أن نتوجه إلى نقد الفعل الخاطئ نفسه و السلوك الشاذ ، و ليس إلى نقد ( ذات الطفل ) و توبيخ شخصيته و نعتها بألفاظ بذيئة و أوصاف مهينة .
يقول ( د . تشاد هيبلمستتر ) في كتابه ( ماذا تقول عندما تحدث نفسك ؟ ) : " أنه في خلال الـ 18 سنة الأولى من عمرنا و على افتراض نشأتنا وسط عائلة إيجابية لحد معقول فإنه قد قيل لك أكثر من ( 148,000 مرة كلمة (لا) أو ( لا تفعل ) " .
تخيلوا ( 148,000 ) مرة على الأقل حفرت فيها كلمة ( لا ) داخل أذهان أطفالنا ، مع ما يتبعها من صراخ و قسمات وجه مكشرة حادة و أحياناً ( مصاحبة الأيدي ) .
من سن 2 ـ 2,5 من عمر الطفل حيث تكون مرحلة التطور العاطفي للدماغ في أوج نموها ، فإن توجيه النقد السلبي المهين من قبل الوالدين سيء جداً لذات الطفل ، ويتولد لديه موقف .. لا أستطيع ، كما أنه قد يفقد الثقة بقدرته على النجاح ، مما يمنع الفرد مستقبلياً من تطوير نفسه بالإقدام على أي شيء جديد أو غير مألوف ، وكل هذا يعود إلى طفولته و ما كان يسمعه من أبويه ( لا تفعل ... اسكت ... لا تستطيع ) فرسخ في عقله أنه لن يستطيع للأبد .
و يقول ( سليجمان ) ـ ( الباحث المتخصص في التفكير الإيجابي ) ـ في هذا الشأن ( إن النقد الُمبالغ فيه ينتج عنه الإحساس بالذنب و الخجل بدرجة أكبر مما يستوعبها عقل الطفل ، كما أن التوقف تماماً عن توجيه أي نوع من اللوم يمحو الإحساس بالمسؤولية و يُضعف إرادة التغيير ) .
ما الحل إذن ؟ أهي أحجية ؟ كيف أنتقد دون أن أسيء ؟
يمكنني ذلك عبر التعرف على أساليب نقدية تتسم بالصيغة الإيجابية غير المهنية للذات و التي سنستنتجها من المثال التالي :
الطفلة سوسن البالغة من العمر 9 سنوات تركت غرفتها في حالة شديدة من الفوضى رغم تكرار والدتها لها بأن تقوم بترتيبها قبل الذهاب إلى أي مكان ، و مما زاد من غضب والديها هو أنهما كانا على موعد مع مستأجر يريد أن يعاين المنزل في ذلك الصباح ، و قد تحتم عليهما بسبب ما فعلته سوسن قضاء فترة من الوقت في تنظيم الغرفة على الرغم من ازدحام مواعيدهما في ذلك اليوم .
عند عودة سوسن للمنزل ، أدخلتها والدتها مباشرة و بهدوء إلى غرفتها لمعاتبتها على ما بدر منها .
نحن الآن أمام صيغتين ستلجأ إليهما والدة سوسن لتوضيح جوانب الموضوع لطفلتها :
ـ صيغة إيجابية غير محبطة للذات .
ـ صيغة سلبية و مهينة للذات .
الصيغة الأولى :
سوسن ، لقد قمتِ بفعل شيء أغضبني و والدك لدرجة كبيرة ( إن نقد الأم محدد لأنها تصف مشاعرها بدقة ) .
لقد منكِ ثلاث مرات أن ترتبي غرفتك و تنظفيها و لكنك في كل مرة تؤجلين إنجاز المطلوب منكِ ( هنا تصف الأم الحالة بدقة و تصف موقف سوسن بعبارات صادقة ) .
و بسبب عدم قيامك بتنظيف و ترتيب غرفتك ، و تواعدنا مع المستأجر لمعاينة المنزل ، فاضطررنا للقيام بذلك بأنفسنا ، مما أدى إلى تأخرنا عن مواعيد هامة لنا ، إن ترتيب الغرفة هو من مسؤولياتك و ليس من مسؤولياتنا .
( هنا تشرح الأم لسوسن سبب المشكلة و الأثر المترتب عليها ، ولذلك فالنقد و اللوم في موضعهما الصحيح ) .
سأطلب منكِ البقاء ربع ساعة في غرفتك ، و التفكير فيما حدث ، و أود أن تقترحي ثلاث طرق ستقومي بممارستها دوماً لجعل غرفتك نظيفة و منظمة ، و أنا واثقة أن ما حدث لن يتكرر البتة .
الصيغة الثانية :
( لماذا ينطبق على تصرفاتك اللامبالاة دائماً ؟ إنني في غاية الحنق من تصرفك ) إن كلمة دائماً تعني أن المشكلة كونية و لن تتغير .
( لقد نبهت عليكِ مليون مرة أن تحافظي على نظافة غرفتك ، ولكنك لا تلتزمي أبداً بما قلته ، ما حكايتك بالضبط ؟ ) .
أن أم سوسن تبالغ في وصف المشكلة ( مليون مرة ) و تجعل الإصلاح مستحيلاً ( لا تصغين البتة ) و كل ذلك لإشعار سوسن بالذنب ، كما أن عبارتها ( ما حكايتك بالضبط ؟ ) تلمح إلى أن هناك عيباً أو نقصاً دائماً ملازماً لشخصية سوسن .
( لقد حضر المستأجر في الصباح لمعاينة المنزل ، و كادت أن تحدث مصيبة ، لأن الانطباع الأول الذي يتكون لدى الشخص عند معاينته لبضاعة ما هو أهم انطباع و عليه يترتب كل شئ . كان من الممكن أن ينتج عن تصرفك فقدان المستأجر و خسارة الآلاف من النقود لعدم تأجيرنا للمنزل و يعني ذلك عدم تمكننا من شراء منزل جديد).
هنا تصف أم سوسن الموقف بطريقة مأساوية ، لأن كلامها يعني أن مجرد إهمال سوسن لتنظيف الغرفة كان سيترتب عليه الدمار الشامل للعائلة .
( و الآن .. ابقي في غرفتك و لن أكلمك . لتشعري بالخطأ الفظيع الذي ارتكبتيه ) إن هذا الأسلوب سيسبب الاكتئاب لسوسن و يشعرها بأنها مجرمة في حق أسرتها ، و ليس فيه أي شيء مفيد ستتعلم منه كيفية التعامل مع أخطائها في المستقبل .
لذلك فما نود أن نخلص إليه :
عندما نقوم بانتقاد أطفالنا فإننا نجعلهم ينظرون إلى العالم بصورتين : نظرة تفاؤلية نابعة من صورة ذاتية إيجابية ، أو نظرة تشاؤمية محبطة صادرة عن ذات سلبية يائسة .
7ـ عامليه كشخص مهم :
من أجل أن يشعر طفلي بأهمية فأنه يحتاج لأن يدرك كم هو مهم بالنسبة لي ، وهذا الشعور ينمو بالاحترام والانتباه ، إننا ننتبه إلى ما نعتبره هاماً ولا ننتبه إلى ما نعتبره تافهاً ، لذلك فإن حسن انتباهي لطفلي فإنه يعني أنني أهتم به .
و نحن ككبار نعلم إلى أي مدى نشعر بالإحباط و الغضب حين لا ينتبه أحد إلينا ، فما بالك بالأطفال .
لذلك فمن الأفضل اتباع الأساليب التالية عن التعامل معه :
* ـ الاستماع و الإصغاء : أصغي لأفكاره بجدية و اهتمام مع استخدام مهارات الاستماع مثل : ( الانحناء إلى مستواه ، الانتباه المركز له مع التواصل بالعينين ، والصمت حين يحاول التعبير عن احتياجاته ، استخدام اللغة غير المنطوقة مثل : الإيماء بالرأس ، الابتسام ، اللمسات الحانية ) .
* ـ عدم الاستهانة بأفكاره و استصغارها مع مراعاة تدعيمها بصدق لفظي و غير لفظي ( فلا نقول له رائع ـ ممتاز ، في حين أنه يرى أننا في الواقع غير منتبهين و أنظارنا مشدودة لمكان آخر ) .
* ـ احترام حقوقه داخل المنزل : مثل حقه في مكان خاص به ، في أن لا تمس أغراضه و أدواته الشخصية ، وفي عدم التعرض للعنف الجسدي سواء من الوالدين أو من الأخوة ، كتم أسراره إذا اشترط ذلك ، الوفاء بوعودنا له إذا وعدناه .
8 ـ علاقات دافئة من أجل مستقبل أكثر دفئاً :
إن معظم حالات التمرد المرضية التي تلاحظ عند المراهقين كان بالإمكان تلافيها لو أن الوالدين منحوا أبنائهم وقتاً مشبعاً بالاهتمام و الحنان .
و في كتاب له بعنوان ( الأب و ولده ) يخاطب ( الدكتور دودسون ) الآباء قائلاً : ( حاولوا أن تتخيلوا كيف يراكم ولدكم ، أليس صحيحاً أن 99% من دوركم ينحصر في مطالبته بأمر ما ، و تذكيره بشيء ما ، و إصدار التوجيهات إليه بالامتناع عن عمل ما أو في توبيخه على سلوك ما ؟
إذا كان جوابكم على السؤال بـ ( نعم ) فإنكم لستم بصدد إقامة علاقات حميمة عميقة بينكم و بينه ، إنه بحاجة إلى التواجد معكم في فترات لا تطالبونه أثنائها بأي شيء ، فترات تلهون فيها و تكونوا مسرورين خلالها بالتواجد معاً و حسب ، و تتركز الحاجة إلى مثل هذه الفترات في الخمس سنوات الأولى من حياة طفلكم ) .
و كلام ( الدكتور دودسون ) صحيح إلى حدٍ كبير ، فنحن قد نعطي أولادنا كل شيء ولكننا نضن عليهم أحياناً بشيء من وقتنا نمنحه مخصوصاً لهم . و نستمع فيه إلى هواجسهم و اهتماماتهم .
قد يودوا أن يرووا لنا شيئاً من مشاهداتهم أو قصة قرؤوها أو نكتةً سمعوها ، وقد يرغبوا بأن يطلعونا على لوحة قاموا برسمها أو عبارة تشجيع كتبتها المعلمة أو المعلم لهم أو موقف واجههم خلال نهارهم ، و إذا حاولنا أن نستمع إليهم فقد نستمع بأذن شاردة وعين متجولة هنا و هناك ، ولن يخفى على أطفالنا ذلك ، وفي هذه الحالة نكون قد أضعفنا من حيث لا نشاء و لا ندري من شعور طفلنا بقيمته الشخصية ، لأن تقديره لذاته مرتبط لحدٍ بعيد بتقدير أهله له .
لهذا فلا بد من تخصيص بعض الوقت للحديث الحر مع ولدنا مهما كثرت مشاغلنا ، قد يكون هذا الوقت محدداً جداً و لكن المهم أن يوجد و أن يتكرر بانتظام و أن نعوض نقصه الكمي في هذه الحال بكثافة حضورنا و نوعيته .
هكذا يشعر ولدنا أنه مهم بنظرنا بحد ذاته ، وليس فقط كمحلٍ لممارسة نشاطنا التربوي ، كإنسان مثلنا و ليس كتلميذ أو موضوع للتدريس و التهذيب و أنه يستطيع أن يكون في علاقته معنا فاعلاً و ليس فقط منفعلاً ، مسموعاً و ليس فقط سامعاً ، فتنمو من جزاء ذلك ثقته بنفسه .
أما نحن فسنجد من جهتنا متعة خاصة في هذه الأوقات التي يتاح لنا فيها أن نعايش أولادنا و نتعرف عليهم عن كثب و نقيم مشاركة حميمية تبشر باستمرار الود و الثقة بينهم و بيننا حتى عبر مآزم المراهقة و نكتسب بقربهم من نضارة الطفولة و شفافيتها و توثبها و قدراتها على التجديد ، فننجو من الرتابة و التحجر و نتعلم منهم أن نتساءل و أن نعيد النظر فيما ألفناه من آراء ، وهكذا نتربى من أولادنا مقابل تربيتنا لهم .
و تقرر الأبحاث أن العلاقة المبنية على الاهتمام و الرعاية من الوالدين نحو أطفالهم يكون لها أثر طويل المدى في تنمية الخيال لدى الطفل و تفعيل مهارات التكيف عنده ، بل و المحافظة على سلامة صحته الجسدية .
و في الدراسة التي قدمها كل من العالمين النفسيين ( ليندا روسيك و جاري شواردز ) إلى الملتقى الذي عقدته الجمعية الأمريكية المختصة بالظواهر النفسجسمية ـ ( The American Psychosomatic Society في شهر مارس 1996م ) ـ ، أثبت أن وجود علاقة بناءة بين الأباء و أبنائهم في الصغر يمكن أن يكون لها أكثر الآثار على مستقبل حياتهم .
وقد أجرى الباحثون في هذا البحث دراسة منذ خمس و ثلاثين عاماً تم فيها توجيه أسئلة لـ 87 شخص تقترب أعمارهم من العشرين و كانوا ينتمون في ذلك الوقت إلى جامعة هارفارد ، حيث طُلب منهم أن يسجلوا كتابياً تقديراتهم لما حصلوا عليه من الرعاية الإيجابية و الاهتمام الموجه من الوالدين ، و بعد مرور خمس و ثلاثين عاماً على هؤلاء المشاركين تمت مقابلتهم من جديد حيث أصبحوا الآن رجالاً في منتصف الخمسينيات من العمر ، فلوحظ أن الذين كانوا في السابق قد وصفوا آبائهم بأنهم أكثر حميمية و اهتماماً بهم لا يعانون إلا القليل من الأمراض الخطيرة ( كأمراض القلب و ارتفاع ضغط الدم و السكري ) أما الذين وصفوا آبائهم بأنهم لم يكونوا عادلين أو إيجابيين في اهتمامهم فإنهم يعانون الآن من أمراض جسمانية خطيرة .
و دراسات كهذه تؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه الآباء و تأثيره المستقبلي على صحة أطفالهم النفسية والجسدية .
و هناك اتجاه متزايد بين المختصين بمعالجة سلوك الأطفال يدعو إلى تدريب الوالدين على أن يشتركوا في اللعب العلاجي مع أطفالهم و إظهار الاهتمام الإيجابي أثناء لعبهم ، إن ( الدكتور راسيل باركلي ) ـ ( وهو من كبار الخبراء الأمريكيين المختصيين في معالجة الضمور العقلي و الجسدي ) ـ يقترح أن يقوم آباء الأطفال الذين يعانون من مشلات بتخصيص 20 دقيقة لأبنائهم يُشعرونهم فيها بالرعاية الإيجابية ، و بالرغم من أن هذا يُعتبر عاملاً هاماً خاصاً بالأطفال الذين يعانون من اضطرابات بسبب نقص الانتباه عندهم و الذين تعرضوا كثيراً لعدم الاهتمام بل و للنقد من مدرسيهم و أقرانهم و أفراد عائلتهم ، فإنه كذلك وصفة جيدة تصلح لكل الأطفال العاديين و بالإمكان تخصيص وقت لهم مرتين أو ثلاث في الأسبوع حتى نكون أكثر واقعية .
9ـ أوجدي لطفلك توقعات بناءة إيجابية :
( إن ما نتوقع أن يحدث يصبح دافعاً قوياً لنا للاتجاه نحو ما توقعناه )
لهذا فإنني إذا توقعت أن يكون أبني ناجحاً توقعاُ قوياً خامر دواخل شعوري ، فإن هذا التوقع سيرسم لي وله صورة ذهنية مستقبلية تكون حافزه الرئيس للبحث عن الظروف و الأحداث و الأشخاص التي ستحقق له نتائج توقعاته .
نحن لا نتوقع من أنفسنا و لا من أبنائنا ما يكفي ، و لذلك فلا يحقق معظمنا أكثر من خُمس إمكانياته ، وتحضرني هنا قصة واقعية أحب أن أرويها لكم :
( قال المدير في إحدى المدارس لثلاثة من المدرسين : بما أنكم أفضل ثلاثة مدرسين فقد اخترنا لكل منكم ثلاثين طالباً هم أفضل طلاب المدرسة ذكاءً لتدريسهم في صفوف خاصة ، ولكن لا تخبروا الطلاب و لا تخبروا أهلهم لأن هذا سيفسد الخطة ، درسوهم بشكل عادي تماماً ، و استخدموا المنهج العادي و نحن نتوقع لكم و لهم بإذن الله نتائج رائعة المستوى .
و فعلاً كانت النتائج رائعة و مختلفة عن المعهود و قال المدرسون : إنهم لمسوا تفهماً و تجاوباً من الطلاب بشكل لم يصادفوه من قبل .
و فيما بعد جرى إخبار المدرسين أن الموضوع لم يكن إلا تجربة ، و أن الطلاب هم طلاب عاديون تم انتقاء أسمائهم عشوائياً بلا ميزة خاصة ، و فوق ذلك فغن المدرسين هم أيضاً عاديون جرى سحب أسمائهم بالقرعة ) .
نلاحظ هنا أن التوقعات هي التي صنعت النتيجة مع أن المعلومات كانت في الأصل خاطئة .
وهنا نقول : ما يتوقعه الآباء و الأمهات من أبنائهم له أكبر الأثر في صنع سلوك هؤلاء الأبناء ، و لهذا فعلى الأبوين أن ينتبهوا ماذا يتوقعون من أبنائهم .
إن من أهم الممارسات المفعلة لذوات أبنائنا هو أن نتوقع لهم توقعات عالية تشحذ من هممهم و تتناسب مع ميولهم وقدراتهم .
و تكون البداية بتشجيعهم على تحديد المهارات التي يريدون تنميتها بعد تزويدهم بمعرفة واضحة و عميقة عن أهم نقاط القوة التي يمتلكونها في شخصياتهم ، و المصادر و المعلومات التي يحتاجونها للوصول لأهدافهم .
إننا نلاحظ فيما حولنا أن معظم الناس يتركون حياتهم تنساق بلا رؤية مميزة يمتلكونها لأنفسهم ، و يظل وضعهم عادياً أو مهمشاً و ليس فيه أي تفوق يذكر ، لأنهم للأسف لم يحددوا لأنفسهم أهدافاً واضحة ، ويعود السبب في ذلك لنشأتهم في أسر لم تكن الأهداف فيها تعطى قيمتها المطلوبة .
و للأسف فإن البيئة التعليمية نفسها تشجع هذا الوضع بعدم تخصصها و لو ساعة شهرية يركز فيها المدرسون و التربويون على تعليم الطلاب مهارة تحديد الأهداف .
من الممكن التدريب على هذه المهارة عبر جلسة عائلية منتظمة يقوم فيها أعضاء الأسرة باختيار أمر ما يقتنعون بأهميته و يريدون الحصول عليه ( إيجاد هدف عائلي موحد ) ، و يتم تبادل المعلومات و الخبرات فيما بينهم للتوصل إلى الطرق و المصادر المطلوبة لتحقيقه ، مع استمرارهم في تدعيم بعضهم للالتزام بالسعي نحو تحقيق هذا الهدف ، وتحتفل العائلة جميعها بحفل بسيط ودي عند تمكن إفرادها من بلوغ هدفهم المرحلي .
و هكذا سيفهم الطفل بالقدوة العملية أن وجود أهداف مستمرة في الحياة هو أمر جوهري و حيوي للنجاح .
عندما يقرر طفلك الالتزام بهدف ما ، فمن المفيد أن تحصلي منه على إقرار خطي بجدية التزامه نحو هذا الهدف، لأن كتابة الهدف و مراحل تنفيذه و تاريخ الانتهاء منه نقطة رئيسة في مهارة وضع الأهداف .
و لقد أجرت جامعة بيل دراسة في عام 1953م حول عدد الطلاب الذين لديهم أهداف واضحة مكتوبة ، و وجدت الدراسة أن 3 % فقط من طلاب السنة الأخيرة قد قاموا بذلك ، وبعد عشرين عاماً من حصولهم على التخرج قامت الجامعة بالاتصال بهؤلاء الطلاب جميعاً ، فوجدت أن الـ 3 % الذين قاموا بكتابة أهدافهم يحصلون على دخل مادي يعادل 97% من دخل الطلاب البقية الذين لم يكن لهم أهداف واضحة مكتوبة .
لقد حقق الكثير منا أهدافاً كنا نعدها مستحيلة التحقيق ، نظراً لأن شخصاً ما كان يؤمن بقدرتنا على تحقيقها ، وهذا ما يحتاجه طفلك الآن منك ، أن تؤمني بقدراته و أن تقدمي له كل الدعم و التشجيع و الحنان، إلى أن يصبح واثقاً من قدرته على تحقيق الهدف .
و في النهاية وددت لو أوجه سؤالاً دقيقاً لي و لك : لماذا نريد أن نحسن من أساليبنا التربوية ؟؟
فعندما تكون هناك ( لماذا ) واضحة و مقنعة عقلياً و فكرياً وروحياً ، فإننا لا محالة سوف نجد ( كيف ) بشكل إيجابي مثمر .
و قد تسهل عليك الإجابة حين تعلمي أن مؤتمر المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي تم عقده في القاهرة بتاريخ (27 يونيو ـ حزيران 2001م ) كان عنوانه ( دور تربية الطفل في الإصلاح الحضاري ) ، إيماناً من العلماء و المفكرين الإسلاميين بخطورة و أهمية تربية الطفل تربية صحيحة لتحقيق الإصلاح الحضاري المنتظر لأمتنا الإسلامية، وأن الإعداد الجيد للطفل المسلم هو من أهم أهم التحديات الحضارية التي تواجه الأمة .
للأمانة منقول