المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شخصيات اسلامية ...


wisal
09-23-2008, 12:29 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

احبابي رمضان كريم
تقبل الله منكم الصيام والصلاة واعمال الخير .... ولا تنسوني من دعواتكم

اخترت لكم مجموعة من الشخصيات التي تألقت في الاسلام وقدمت لهذا الدين والمجتمع الانساني اجل الخدمات تابعوا معي

بسم الله نبدأ ...
شخصيتنا الاولى :

زيد بن حارثة
لم يحبّ حبّه أحد:heartbr:
وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع جيش الاسلام الذاهب لملاقاة الروم في غزوة مؤتة ويعلن أسماء أمراء الجيش الثلاثة، قائلا:

« عليكم زيد بن حارئة.. فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طاب.. فان أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة».
فمن هو زيد بن حارثة..؟؟

من هذا الذي حمل دون سواه لقب الحبّ.. حبّ رسول الله..؟

**
أعدّ حارثة أبو زيد الراحلة والمتاع لزوجته سعدى التي كانت تزمع زيارة أهلها في بني معن.

وخرج يودع زوجته التي كانت تحمل بين يديها طفلهما الصغير زيد بن حارثة، وكلما همّ أن يستودعهما القافلة التي خرجت الزوجة في صحبتها ويعود هو الى داره وعمله، ودفعه حنان خفيّ وعجيب لمواصلة السير مع زوجته وولده..

لكنّ الشقّة بعدت، والقافلة أغذّت سيرها، وآن لحارثة أن يودّع الوليد وأمّه، ويعود..

وكذا ودّعهما ودموعه تسيل.. ووقف طويلا مسمرا في مكانه حتى غابا عن بصره، وأحسّ كأن قلبه لم يعد في مكانه.. كأنه رحل مع الراحلين..!!

**
ومكثت سعدى في قومها ما شاء الله لها أن تمكث..

وذات يوم فوجئ الحيّ، حي بني معن، باحدى القبائل المناوئة له تغير عليه، وتنزل الهزيمة ببني معن، ثم تحمل فيما حملت من الأسرى ذلك الطفل اليافع، زيد بن حارثة..
وعادت الأم الى زوجها وحيدة.

ولم يكد حارثة يعرف النبأ حتى خرّ صعقا، وحمل عصاه على كاهله، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، ويسائل القبائل والقوافل عن ولده وحبّة قلبه زيد، مسليّا نفسه، وحاديا ناقته بهذا الشعر الذي راح ينشده من بديهته ومن مآقيه:

بكيت على زيد ولم ادر ما فعل أحيّ فترجى؟ أم أتى دونه الأجل
فوالله ما أدري، واني لسائل أغالك بعدي السهل؟ أم غالك الجبل
تذكرينه الشمس عن طلوعها وتعرض ذكراه اذا غربها أفل
وان هبّت الأرواح هيّجن ذكره فيا طول حزني عليه، ويا وجل

**
وعندما اختطفت القبيلة المغيرة على بني معن نصرها، وعادت حاملة أسراها، ذهبت الى سوق عكاظ التي كانت منعقدة أنئذ، وباعوا الأسرى..

ووقع الطفل زيد في يد حكيم بن حزام الذي وهبه بعد أن اشتراه لعمته خديجة.

وكانت خديجة رضي الله عنها، قد صارت زوجة لمحمد بن عبدالله، الذي لم يكن الوحي قد جاءه بعد. بيد أنه كان يحمل كل الصفات العظيمة التي أهلته بها الأقدار ليكون غدا من المرسلين..

ووهبت خديجة بدورها خادمها زيد لزوجها رسول الله فتقبله مسرورا وأعتقه من فوره،وراح يمنحه من نفسه العظيمة ومن قلبه الكبير كل عطف ورعاية..

وفي أحد مواسم الحج. التقى تفر من حيّ حارثة بزيد في مكة، ونقلوا اليه لوعة والديه، وحمّلهم زيد سلامه وحنانه وشوقه لأمه وأبيه، وقال للحجّاج من قومه: ( أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد ).

ولم يكن والد زيد يعلم مستقر ولده حتى أغذّ السير اليه، ومعه أخوه..

وفي مكة مضيا يسألان عن محمد الأمين.. ولما لقياه قالا له:
( ياا بن عبدالمطلب..
يا ابن سيّد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه )..
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم تعلق زيد به، وكان في نفس الوقت يقدّر حق ابيه فيه..

هنالك قال حارثة:
« ادعوا زيدا، وخيّروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء.. وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء )..!!
وتهلل وجه حارثة الذي لك يكن يتوقع كل هذا السماح وقال:
" لقد أنصفتنا، وزدتنا عن النصف"..
ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم الى زيد، ولما جاء سأله:
« هل تعرف هؤلاء»..؟
قال زيد: نعم.. هذا أبي.. وهذا عمّي.
وأعاد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله لحارثة.. وهنا قال زيد:
" ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم»..!!
ونديت عينا رسول الله بدمع عاشقة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة هناك، ونادى الرسول:
« اشهدوا أن زيدا ابني.. يرثني وأرثه»..!!

وكاد قلب حارثة يطير من الفرح.. فابنه لم يعد حرّا فحسب، بل وابنا للرجل الذي تسمّيه قريش الصادق الأمين سليل بني هاشم وموضع حفاوة مكة كلها..

وعاد الأب والعم الى قومهما، مطمئنين على ولدهما والذي تركاه سيّدا في مكة، آمنا معافى، بعد أن كان أبوه لا يدري: أغاله السهل، أم غاله الجبل..!!

**
تبنّى الرسول زيدا.. وصار لا يعرف في مكة كلها الا باسمه هذا زيد بن محمد..

وفي يوم باهر الشروق، نادى الوحي محمدا:
{ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علّم الانسان ما لك يعلم }...

{يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما بلّغت رسالته، والله يعصمك من الناس، ان الله لايهدي القوم الكافرين}...
وما ان حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين.. بل قيل انه كان أول المسلمين...!!

**
أحبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما، وكان بهذا الحب خليقا وجديرا.. فوفاؤه الذي لا نظير له، وعظمة روحه، وعفّة ضميره ولسانه ويده...

كل ذلك وأكثر من ذلك كان يزين خصال زيد بن حارثة أو زيد الحبّ كما كان يلقبه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام..
تقول السيّدة عائشة رضي الله عنها:

« ما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في جيش قط الا أمّره عليهم، ولو بقي حيّا بعد رسول الله لاستخلفه ».
الى هذا المدى كانت منزلة زيد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فمن كان زيد هذا..؟؟
انه كما قلنا ذلك الطفل الذي سبي، ثم بيع، ثم حرره الرسول وأعتقه..

ومن ثم وجد له في الاسلام، وفي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى منزلة وأرفع مكان، فلا الاسلام ولا رسوله من يعبأ لحظه بجاه النسب، ولا بوجاهة المظهر.

وزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا من ابنة عمته زينب، ويبدو أن زينب رضي الله عنها قد قبلت هذا الزواج تحت وطأة حيائها أن ترفض شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ترغب بنفسها عن نفسه..

ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، وتستنفد عوامل بقائها، فانفصل زيد عن زينب.

وحمل الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤوليته تجاه هذا الزواج الذي كان مسؤولا عن امضائه، والذي انتهى بالانفصال، فضمّ ابنة عمته اليه واختارها زوجة له، ثم اختار لزيد زوجة جديدة هي أم كلثوم بنت عقبة.

وذهب الشنئون يرجفون المدينة: كيف يتزوّج محمد مطلقة ابنه زيد؟؟

فأجابهم القرآن مفرّقا بين الأدعياء والأبنياء.. بين التبني والبنّوة، ومقررا الغاء عادة التبني، ومعلنا:
{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبين }.
وهكذا عاد لزيد اسمه الأول: زيد بن حارثة.

**

حتى جاءت غزوة مؤتة..
كان الروم بأمبراطوريتهم الهرمة، قد بدأوا يوجسون من الاسلام خيفة..بل صاروا يرون فيها خطرا يهدد وجودهم، و سيما في بلاد الشام التي يستعمرونها، والتي تتاخم بلاد هذا الدين الجديد، المنطلق في عنفوان واكتساح..

وهكذا راحوا يتخذون من الشام نقطة وثوب على الجزيرة العربية، وبلاد الاسلام...

**

وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدف المناوشات التي بدأها الروم ليعجموا بها عود الاسلام، فقرر أن يبادرهم، ويقنعهم بتصميم الاسلام الى أرض البلقاء بالشام، حتى اذا بلغوا تخومها لقيتهم جيوش هرقل من الروم ومن القبائل المستعربة التي كانت تقطن الحدود..

ونزل جيش الروم في مكان يسمّى مشارف..

في حين نزل جيش الاسلام يجوار بلدة تسمّى مؤتة، حيث سمّيت الغزوة باسمها...

**

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية هذه الغزوة وخطرها فاختار لها ثلاثة من الرهبان في الليل، والفرسان في النهار..
وكان هؤلاء الثلاثة وفق ترتيبهم في امارة الجيش هم:

زيد بن حارثة،
جعفر بن أبي طالب،
عبدالله بن رواحة.
رضي الله عنهم وأرضاهم، ورضي الله عن الصحابة أجمعين...

وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف يودّع الجيش يلقي أمره السالف:

« عليكم زيد بن حارثة.. فان أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب،... فان أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة ».

**

ولكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ غيب المعركة المقبلة حين وضع أمراء الجيش على هذا الترتيب: زيد فجعفر، فابن رواحة.. فقد لقوا ربّهم جميعا وفق هذا الترتيب أيضا..!!

ولم يكد المسلمون يطالعون جيش الروم الذي حزروه بمائتي ألف مقاتل حتى أذهلهم العدد الذي لم يكن لهم في حساب..
ولكن متى كانت معارك الايمان معارك كثرة..؟؟

هنالك أقدموا ولم يبالوا.. وأمامهم قائدهم زيد حاملا راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقتحما رماح العدو بنباله وسيوفه، لا يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن المضجع الذي ترسو عنده صفقته مع الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

وكانت روحه وهي في طريقها الى الجنة تبتسم محبورة وهي تبصر جثمان صاحبها، لا يلفه الحرير الناعم، بل يضخّمه دم طهور سال في سبيل الله..:icq:
نتابع غدا ان شاء الله .......

نور الحسن
09-23-2008, 04:06 PM
مشكوووووووووووووووووووووووووووووووووور استفت اكتيييييييييييييييير

wisal
09-24-2008, 10:09 AM
اهلين وسهلين نور شكرا لمرورك وتعليقك الطيب والحمد لله انك استفدت

نتابع اليوم وشخصيتنا هي

فخر الدين الرَّازي (544 - 606هـ، 1150 - 1210م).:notosay:
أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين. ولد في الري بطبرستان، أخذ العلم عن كبار علماء عصره، ومنهم والده، حتى برع في علوم شتى واشتهر، فتوافد عليه الطلاب من كل مكان. كان الرازي عالمًا في التفسير وعلم الكلام والفلك والفلسفة وعلم الأصول وفي غيرها.
وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاث مائة تلميذ فقهاء وغيرهم،وكان خوارزم شاه يأتي إليه.

وكان شديد الحرص جداً في العلوم الشرعية والحكمة اجتمع له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره فيما علمته من أمثاله : وهي سعة العبارة في القدرة على الكلام وصحة الذهن والاطلاع الذي ما عليه مزيد والحافظة المستوعبة والذاكرة التي تعينه على ما يريده في تقرير الأدلة والبراهين،وكان فيه قوة جدلية ونظره دقيق، وكان عارفاً بالأدب له شعر بالعربي ليس في الطبقة العليا ولا السفلى وشعر بالفارسي لعله يكون فيه مجيداً.

وكان عبل البدن ربع اقامة كبير اللحية في صورته فخامة.كانوا يقصدونه من أطراف البلاد على اختلاف مقاصدهم في العلوم وتفننهم فكان كل منهم يجد عنده النهاية فيما يرومه منه.

ترك مؤلفات كثيرة تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه أبرزها تفسيره الكبير المعروف بـ مفاتيح الغيب، وهو تفسير جامعٌ لمسائل كثيرة في التفسير وغيره من العلوم التي تبدو دخيلة على القرآن الكريم، وقد غلب على تفسيره المذهب العقلي الذي كان يتبعه المعتزلة في التفسير، فحوى تفسيره كل غريب وغريبة.

اختُلف في سبب وفاته، وقيل مات مسمومًا.:angry:

علامة العلماء والبحر الذي لا ينتهي ولكل بحرٍ ساحل
ما دار في الحنك اللسان وقلبت قلماً بأحسن من ثناه أنامل

ورزق الإمام فخر الدين السعادة العظمى في تصانيفه وانتشرت في الآفاق وأقبل الناس على الاشتغال بها ورفضوا كتب الأقدمين وكان في الوعظ باللسانين مرتبة عليا وكان يلحقه الوجد حال وعظه ويحضر مجلسه أرباب المقالات والمذاهب ويسألونه ورجع بسببه خلق كثير من الناس إلى الطريق الحق وكان يلقب بهراة: شيخ الإسلام.يقال أنه حفظ الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين.

قصد خوارزم وقد تمهر فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى العقيدة فأخرج من البلد، وقصد ما وراء النهر فجرى له أيضاً ما جرى بخوارزم، فعاد إلى الري وكان بها طبيب حاذق له ثروة وله بنتان فزوجهما بابني فخر الدين ومات الطبيب فأخذ عنه على نعمته ومن ثم كانت له النعمة، ولما وصل السلطان شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بالغ في إكرامه وحصلت له أموال عظيمة منه،وعاد إلى خراسان واتصل بالسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش وحظي عنده وأظنه توجه رسولاً منه إلى الهند.

وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه لأنه يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها وقسمة فروع ذلك التقسيم ويستدل بأدلة السبر والتقسيم فلا يشذ منه عن تلك المسألة فرع لها بها علاقة فانضبطت له القواعد وانحصرت له المسائل.

ولما توفي الإمام فخر الدين بهراة في دار السلطنة يوم عيد الفطر سنة ست وست مائة كان قد أملى رسالة على تلميذه ومصاحبه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصبهاني تدل على حسن ظنه بكرم الله تعالى ومقصده بتصانيفه والرسالة مشهورة و كان منها:

وأقول: ديني متابعة سيد المرسلين،وقائد الأولين والآخرين إلى رحمة قدس رب العالمين، وكتابي هو القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما، اللهم يا سامع الأصوات. ويا مجيب الدعوات ويا مقيل العثرات، ويا راحم العبرات، ويا قيام المحدثات والممكنات، أنا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيراً " ، وأنت قلت " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " وأنت قلت " وإذا سالك عبادي عني فإني قريب، فهب أني جئت بشيء فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم، وأعلم أنه ليس لي أحد سواك، ولا أحد كريم سواك، ولا أحد محسن سواك، وأنا معترف بالزلة والقصور، والعيب والفتور،فلا تخيب رجائي، ولا ترد دعائي، واجعلني آمناً من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت، وسهل علي سكرات الموت، وخفض عني نزول الموت، ولا تضيق علي سبب الآلام والسقام فإنك أرحم الراحمين.
ثم قال في آخرها: واحملوني إلى الجبل المصاقب لقرية مزداخان وادفنوني هناك وإذا وضعتموني في اللحد فاقرؤوا علي ما تقدرون عليه من آيات القرآن العظيم ثم ردوا علي التراب بالمساحي وبعد إتمام ذلك قولوا مبتهلين إلى الله مستقبلين القبلة على هيئة المساكين المحتاجين:يا كريم،يا كريم، يا عالماً بحال هذا الفقير المحتاج، احسن إليه، واعطف عليه، فأنت أكرم الأكرمين، وأنت أرحم الراحمين، وأنت الفعال به وبغيره ما تشاء، فافعل به ما أنت أهله، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة انتهى.

صلوةٌ وتسليم وروح وراحة عليه وممدود من الظل سجسج

وقيل فيه :

يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا في كل مسغبةٍ وثلجٍ خاشف
والعاصمين إذا النفوس تطايرت بين الصوارم والوشيج الراعف
من نبأ الورقاء أن محلكم حرمٌ وأنك ملجأ للخائف
وافت إليك وقد تدانى حتفها فحبوتها ببقائها المستأنف
ولو أنها تحبى بمالٍ لانثنت من راحتيك بنائلٍ متضاعف
جاءت سليمان الزمان حمامةٌ والموت يلمع من جناحي خاطف


ومن تصانيف الإمام رحمه الله تعالى:التفسير الذي له وهو في ستة وعشرين مجلداً ذكر تفسير الفاتحة منه في مجلدة وهو على تجزئة الفاتحة في أكثر من ثلاثين مجلداً وأكمل التفسير على المنبر إملاءً تفسير سورة البقرة على الوجه العقلي لا النقلي ، أسرار التنزيل وأخبار التأويل نهاية العقول في أصول الدين يكون في أربع مجلدات، المطالب العالية في الأصول أيضاً في أربعة كبار، كتاب الأربعين في مجلدة كبيرة.

ومن شعر الإمام فخر الدين ما أنشده الإمام فخر الدين لنفسه:

فلو قنعت نفسي بميسور بلغةٍ لما سبقت في المكرمات رجالها
ولو كانت الدنيا مناسبةً لها لما استحقرت نقصانها وكمالها
ولا أرمق الدنيا بعين كرامةٍ ولا أتوقى سوءها واختلالها
وذاك لأني عارفٌ بفنائها ومستيقنٌ ترحالها وانحلالها
أروم أموراً يصغر الدهر عندها وتستعظم الأفلاك طراً وصالها

ومنه:

أرواحنا ليس ندري أين مذهبها وفي التراب توارى هذه الجثث
كونٌٌ يرى وفسادٌ جاء يتبعه والله يعلم ما في خلقه عبث

ومنه:

نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا ردىًً ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا سوى أن جمعنا فيه قلت وقالوا
وكم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتها وعالً فزالت والجبال جبال

نلتقي غدا ان شاء الله مع شخصية اخرى:note:
وفقكم الله ورعاكم :heart:

ofoq123
09-25-2008, 07:15 AM
مرحبا بك وما احضرتي لنا يا وصال

نورت النادي بطلتك وبالسيرة العطرة لهؤلاء العظماء

بلغك الله ليلة القدر وأعتق رقبتك ورقابنا من النار

wisal
09-27-2008, 01:53 PM
جزاك الله خيرا افق
ولك بمثل ما دعوت
وبارك الله جهودك وحفظ اولادك

اليوم شخصيتنا جميلة جدا رضي الله عنه وارضاه
انه الصحابي الجليل ابو هريرة
أبو هريرة
ذاكرة عصر الوحي

صحيح أن ذكاء المرء محسوب عليه..:kiss2:

وأصحاب المواهب الخارقة كثيرا ما يدفعون الثمن في نفس الوقت الذي كان ينبغي أن يتلقوا فيه الجزاء والشكران..!!

والصحابي الجليل أبو هريرة واحد من هؤلاء..:question:

فقد كان ذا موهبة خارقة في سعة الذاكرة وقوتها..

كان رضي الله عنه يجيد فنّ الاصغاء، وكانت ذاكرته تجيد فن الحفظ والاختزان..

يسمع فيعي، فيحفظ، ثم لا يكاد ينسى مما وعى كلمة ولا حرفا مهما تطاول العمر، وتعاقبت الأيام..!!

من أجل هذا هيأته موهبته ليكون أكثر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا لأحاديثه، وبالتالي أكثرهم رواية لها.:rainbow:

**

والآن.. عندما نسمع واعظا، أو محاضرا، أو خطيب جمعة يقول تلك العبارة المأثورة:" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم..".:kiss3:

أقول: عندما تسمع هذا الاسم على هذه الصورة، أو عندما تلقاه كثيرا، وكثيرا جدّا في كتب الحديث، والسيرة والفقه والدين بصفة عامة، فاعلم أنك تلقى شخصية من أكثر شخصيات الصحابة اغراء بالصحبة والاصغاء..

ذلك أن ثروته من الأحاديث الرائعة، والتوجيهات الحكيمة التي حفظها عن النبي عليه السلام، قلّ أن يوجد لها نظير..

وانه رضي الله عنه بما يملك من هذه الموهبة، وهذه الثروة، لمن أكثر الأصحاب مقدرة على نقلك الى تلك الأيام التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والى التحليق بك، اذا كنت وثيق الايمان مرهف النفس، في تلك الآفاق التي شهدت روائع الرسول وأصحابه، تعطي الحياة معناها، وتهدي اليها رشدها ونهاها.

واذا كانت هذه السطور قد حرّكت أشواقك لأن تتعرّف لأبي هريرة وتسمع من أنبائه نبأ، فدونك الآن وما تريد..
انه واحد من الذين تنعكس عليهم ثروة الاسلام بكل ما أحدثته من تغيرات هائلة.

فمن أجير الى سيّد..:surprised:

ومن تائه في الزحام، الى علم وامام..!!

ومن ساجد أمام حجارة مركومة، الى مؤمن بالله الواحد القهار..

وهاهو ذا يتحدّث ويقول::smile:

" نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا.. وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني..!!

كنت أخدمهم اذا نزلوا، وأحدو لهم اذا ركبوا..

وهاأنذا وقد زوّجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة اماما"..!

قدم على النبي عليه الصلاة والسلام سنة سبع وهو بخيبر، فأسلم راغبا مشتاقا..

ومنذ رأى النبي عليه الصلاة والسلام وبايعه لم يكد يفارقه قط الا في ساعات النوم..

وهكذا كانت السنوات الأربع التي عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم الى أن ذهب النبي الى الرفيق الأعلى.

نقول: كانت تلك السنوات الأربع عمرا وحدها.. كانت طويلة عريضة، ممتلئة بكل صالح من القول، والعمل، والاصغاء.

**

وبعد أن أدرك أبو هريرة رضي الله عنه يدرك بفطرته حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الاسلام الى من يحفظ تراثه وتعاليمه، وقد كان هناك يومئذ من الصحابة كتّاب يكتبون ولكنهم قليلون، ثم إن بعضهم لا يملك من الفراغ ما يمكّنه من تسجيل كل ما ينطق به الرسول من حديث.:moon:

لم يكن أبا هريرة كاتبا، ولكنه كان حافظا، وكان يملك هذا الفراغ، أو هذا الفراغ المنشود، فليس له أرض يزرعها ولا تجارة يتبعها!!

وهو إذا رأى نفسه وقد أسلم متأخرا، عزم على أن يعوّض ما فاته، وذلك بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته..

ثم انه يعرف من نفسه هذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه، وهي ذاكرته الرحبة القوية، والتي زادت مضاء ورحابة وقوة، بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها..

فلماذا اذن لا يكون واحدا من الذين يأخذون على عاتقهم حفظ هذا التراث ونقله لللأجيال..؟؟

أجل.. هذا دوره الذي تهيئه للقيام به مواهبه، وعليه أن يقوم به في غير توان..

**

وهكذا راح يكرّس نفسه ودقة ذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته..

فلما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى، راح أبو هريرة يحدث، مما جعل بعض أصحابه يعجبون: أنّى له كل هذه الأحاديث، ومتى سمعها ووعاها..

ولقد ألقى أبوهريرة رضي الله عنه الضوء على هذه الظاهرة، وكانه يدفع عن نفسه مغبة تلك الشكوك التي ساورت بعض أصحابه فقال: "انكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم..

وتقولون: ان المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث..؟؟

ألا ان أصحابي من المهاجرين، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم..

واني كنت أميرا مسكينا، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر اذا غابوا، وأحفظ اذا نسوا..

وان النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني..!
فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته اليّ فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه..

وأيم والله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا، وهي:
{ ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} ..".

هكذا يفسر أبو هريرة سر تفرّده بكثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

فهو أولا كان متفرغا لصحبة النبي أكثر من غيره..

وهو ثانيا كان يحمل ذاكرة قوية، باركها الرسول فزادت قوة..

وهو ثالثا لا يحدّث رغبة في أن يحدّث، بل لأن افشاء هذه الأحاديث مسؤولية دينه وحياته، والا كان كاتما للخير والحق، وكان مفرطا ينتظره جزاء المفرّطين..

**

وقد أراد مروان بن الحكم يوما أن يبلو مقدرة أبي هريرة على الحفظ، فدعاه اليه وأجلسه معه، وطلب منه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حين أجلس كاتبه وراء حجاب، وأمره أن يكتب كل ما يقول أبو هريرة..

وبعد مرور عام، دعاه مروان بن الحكم مرة أخرى، أخذ يستقرءه نفس الأحاديث التي كان كاتبه قد سطرها، فما نسي أبو هريرة كلمة منها!!
وكان يقول عن نفسه:

" ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عنه مني، الا ما كان من عبدالله بن عمرو بن العاص، فانه كان يكتب، ولا أكتب"..

وفي سبيل أن يتفرّغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع ما لم يعاني مثله أحد..

وانه ليحدثنا: كيف كان الجوع يعض أمعاءه فيشدّ على بطمه حجرا ويعتصر كبده بيديه، ويسقط في المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه أن به صرعا وما هو بمصروع..!

ولما أسلم لم يكن يضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة :bigcry:لم يكن رقأ له بسببها جفن..

كانت هذه المشكلة أمه: فانها يومئذ رفضت أن تسلم..

ليس ذلك وحسب، بل كلنت تؤذي ابنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكره بسوء..

وذات يوم أسمعت أبا هريرة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره، فانفضّ عنها باكيا محزونا، وذهب الى مسجد الرسول..

ولنصغ اليه وهو يروي لنا بقيّة النبأ:

".. فجئت الى رسول الله وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، كنت أدعو أم أبي هريرة الى الاسلام فتأبى علي، واني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبا هريرة الى الاسلام..

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبي هريرة.

فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله، فلما أتيت الباب اذا هو مجاف، أي مغلق، وسمعت خضخضة ماء، ونادتني يا أبا هريرة مكانك.

ثم لبست درعها، وعجلت عن خمارها وخرجت وهي تقول: أشهد أن لا اله الا الله، وأِهد أن محمدا عبده ورسوله.

فجئت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح، كما بكيت من الحزن، وقلت: أبشر يا رسول الله، فقد أجاب الله دعوتك..

قد هدى أم أبي هريرة الى الاسلام..

ثم قلت يا رسول الله: ادع الله أن يحبّبني وأمي الى المؤمنين والمؤمنات..

فقال: اللهم حبّب عبيدك هذا وأمه الى كل مؤمن ومؤمنة"..
**

وذات يوم اشتد شوقه الى لقاء الله..

وبينما كان عوّاده يدعون له بالشفاء من مرضه، كان هو يلحّ على الله قائلا:

" اللهم اني أحب لقاءك، فأحب لقائي"..:mail:

وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة.

وبين ساكني البقيع الأبرار تبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا..

وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته، كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم.

ولعل واحدا من المسلمين الجدد كان يميل على صاحبه ويسأله:

لماذا كنّي شيخنا الراحل بأبي هريرة..؟؟
فيجيبه صاحبه وهو الخبير بالأمر:

لقد كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، ولما أسلك سمّاه الرسول عبدالرحمن.. ولقد كان عطوفا على الحيوان، وكانت له هرة، يطعمها، ويحملها، وينظفها، ويؤويها.. وكانت تلازمه كظله..:tetris:

وهكذا دعي: أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه..

الى اللقاء ولا تنسوني من دعواتكم :kiss3:

wisal
09-29-2008, 12:18 PM
هو الامام حقا، وشيخ الاسلام صدقا، أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي ثم البغدادي، أحد الائمة الاعلام.
ولد في ربيع الاول سنة أربع وستين ومئة.
قال صالح –ابنه-: جئ بأبي حمل من مرو، فمات أبوه شابا، فوليته أمه.
شيوخه: طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، في العالم الذي مات فيه مالك .
وعنه قال: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد ؟ !
قال عبدالله بن أحمد: قال لي أبو زرعة:
أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك ؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الابواب.
فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبدالله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر، والاثر، وفتوى التابعي، وما فسر، ونحو ذلك.
وعن أبي زرعة قال: حزرت كتب أحمد يوم مات، فبلغت اثني عشر حملا وعدلا
ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان، ولا في بطنه حدثنا فلان، كل ذلك كان يحفظه
ومن فضله وآدابه:
كان رضي الله عنه إذا ذكر الموت خنقته العبرة وكان يقول : الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب وإذا ذكرت الموت هان علي كل أمر الدنيا إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل ماأعدل بالفقر شيئا ولو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر.
وكان يجتع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمس مئة يكتبون والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت.
يقول ابنه حنبل : جمعنا أحمد بن حنبل ، أنا وصالح وعبد الله – أبناء الإمام أحمد – وقرأ علينا كتابه المسند وما سمعه غيرنا وقال : هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفا فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.
وقد أصابته محنة في آخر حياته ، تحمل فيها كثيرا من المشاق والآلام وكل ذلك نصرة لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وللحفاظ على لحمة المسلمين.
وعندما توفي تزاحم الناس في جنازته وفي الصلاة عليه وفي دفنه .

رحمه الله وجزاه عن المسلمين خير الجزاء.

الصارم
09-29-2008, 01:35 PM
مشكووووره اختي وصال




قصه مفيده وهادفه الله يوقكي لعمل المزيد





تقبلي مروري :الصارم

wisal
09-30-2008, 11:43 AM
شكرا لمرورك الطيب الصارم بارك الله فيك :rose:

الإمام أبو حنيفة

هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي ، الإمام وعالم العراق ، وصاحب المذهب الحنفي.

ولد سنة ثمانين في حية صغار الصحابة ، ورأى أنس بن مالك رضي الله عنه لما قدم الكوفة.

وعني بطلب العلم والآثار وارتحل في ذلك وأم الفقه و التدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى والناس عليه عيال في ذلك.

روي عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة – حفيد الإمام – أنه قال : ولد جدي في سنة ثمانين وذهب به والده ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته ونحن نرجو من الله أن يكون استجاب ذلك لعلي رضي الله عنه فينا.

كان يعمل خزازا يبيع الخز في صباه بالكوفة وقد عرف بصدق المعاملة ، وكان عالما زاهدا تقيا كثير الخشوع.

قال فيه الإمام الشافعي : الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.

وقد كان ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ ، وكان قوي الحجة والإقناع حتى قيل فيه : أنه لو كلمك في سارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.

وكان رحمه الله طويل الصمت كثير العقل، وكان يسم الوتد لكثرة صلاته، وقد روي في كثرة صلاته وطول قيامه الشيء الكثير ومن ذلك: أنه بينما كان يمشي ذات يوم سمع رجلا يقول لآخر: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والله لا يتحدث عني بما لا أفعل، فكان يحي الليل صلاة وتضرعا ودعاء.

و أبو حنيفة هو أول من اشتغل بالفقه التقديري، أي: فرض المسائل التي لم تقع بعد وإيجاد الحل لها، ولا يقتصر على ما يسأل عنه، فزاد علم الفقه اتساعا ومجاله انبساطا، وكان يقول: إنا نستعد للبلاء قبل وقوعه، فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه.

أبرز شيوخه: • حماد بن أبي سليمان وقد لازمه (18) سنة.
• محمد الباقر.
• الإمام جعفر الصادق.

أشهر أصحابه وتلامذته:
• أبو يوسف القاضي.
• محمد بن الحسن الشيباني.
• الحسن بن زياد.

ومن أشهر ما ألف في مناقب الإمام:

كتاب مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة.
وكتاب أبو حنيفة حياته وعصره وآراؤه وفقهه.
وللإمام أبي حنيفة مسند في الحديث رواه تلامذته عنه.

الجهات التي انتشر فيها المذهب:

كان أبو حنيفة وأصحابه جميعا من أهل العراق وانتشر مذهبهم فيها.
ثم اتصل أصحابه بالخلفاء العباسيين فانتشر المذهب في أصقاع الدولة وأصبح مذهبها، فانتشر في بلاد العراق والشام ومصر والمغرب وسواها، وانتقل إلى شمالي إفريقيا.

وفاته:

توفي في سنة خمسين ومئة ، وله سبعون سنة ، وعليه قبة عظيمة ومشهد فاخر ببغداد.

وابنه الفقيه حماد بن أبي حنيفة كان ذا علم ودين وصلاح وورع تام ، لما توفي والده كانعنده دائع كثيرة وأهلها غائبون، فنقلها حماد إلى الحاكم ليستلمها فقال: بل دعها عندك فإنك أهل، فقال: زنها واقبضها حتى تبرأ منها ذمة الوالد ثم افعل ما ترى ففعل القاضي ذلك وبقي في وزنها وحسابها أياما، واستتر حماد فما ظهر حتى أودعها القاضي عند أمين.:rainbow:

wisal
10-03-2008, 04:39 PM
~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~عيدكم سعيد
ولازالت الافراح في دياركم عامرة ~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~

اخترت لكم اليوم شخصية عظيمة من شخصياتنا الاسلامية اتمنى ان تعرفوها

عمر بن عبد العزيز:icq:

هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أمير المؤمنين، أبو حفص الأموي، رضي الله عنه. ولد بالمدينة سنة ستين للهجرة، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطَّاب.

وهو من ملوك الدولة المروانية الاموية بالشام.

وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم.

وكان أبيض، رقيق الوجه، جميلاً، نحيف الجسم، حسن اللحية، غائر العين، بجبهته أثر حافر دابَّة، ولذلك سمِّي أشجّ بني أميَّة، وخطه الشيب، قيل إنَّ أباه لمَّا ضربه الفرس وأدماه، جعل أبوه يمسح الدم، ويقول: إن كنتَ أشجَّ بني مروان إنَّك لسعيد.

بعثه أبوه إلى مصر يتأدَّب بها. وكان يختلف إلى عبد الله بن عُبيد الله، يسمع منه العلم.

ولمَّا مات أبو عبد العزيز، طلب عبد الملك بن مروان عمر إلى دمشق، وزوَّجه بابنته فاطمة. وكان قبل الإمْرَة يبالغ في التنعُّم، ويُفرط في الاختيال في المِشية. قال أنس، رضي الله عنه: ما صلَّيتُ وراء إمامٍ أشبهَ برسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز.

و كان يتمّ الركوع والسجود، ويخفِّف القيام والقعود.

وقال نافع: بلغنا عن عمر أنه قال: إنَّ من ولدي رجلاً بوجهه شَيْنٌ، يلي فيملأ الأرض عدلاً. قال نافع: فلا أحسبه إلاَّ عمر بن عبد العزيز.

ولمَّا طلب للخلافة كان في المسجد، فسلَّموا عليه بالخلافة، فعُقر به، فلم يستطع النهوض، حتَّى أُخذ بضبعَيه، فأصعدوه المنبر، فجلس طويلاً لا يتكلَّم، فلمَّا رآهم جالسين، قال: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين، فتبايعونه؟ فنهضوا إليه فبايعوه رجلاً رجلاً.

وتوفي عمر، رضي الله عنه، بدير سمعان، لعشرٍ بقينَ من شهر رجب، سنة إحدى ومائة؛ وصلَّى عليه يزيد بن عبد الملك، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً، لأنَّه بُويع له يوم الجمعة لعشرٍ خلون من صفر، سنة تسع وتسعين، بعهد من سليمان بن عبد الملك. وكان نقش خاتمه: عمر يؤمن بالله.

وهو الذي بنى الجحفة واشترى ملفيه من الروم بمائة ألف أسير.
وكان له من الولد: عبد الملك، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وعبد الله، وعبد العزيز، وعبد الله الأصغر، وعاصم، وريَّان، ومحمد الأصغر، ويزيد، وبكر، وإبراهيم، وآمنة، وأمُّ عمار.

وفي عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، يقول الشريف الرضي:

يا ابنَ عبد العزيز لو بكتِ العي ـنُ فتًى من أميَّةٍ لبكيتكْ
غير أنِّي أقول إنَّك قد طِبْـ ـتَ وإن لم يطبْ ولم يزكُ بيتكْ
أنتَ نزَّهتنا عن السبِّ والقذ فِ فلو أمكن الجزءُ جزيتُكْ
ولَوَ انِّي رأيت قبرك لاستحـ ـييتُ من أن أُرى وما حيَّيتكْ
وقليلٌ أنْ لو بذلتُ دماء الـ ـبُدْن صِرفاً على الذُّرى وسقيتُكْ
ديرَ سمعانَ فيك مأوى أبي حفـ ـصٍ فودِّي لو أنَّني آويتكْ
أنت بالذكر بين عيني وقلبي إنْ دانيتُ منك أو إنْ نأيتكْ
وعجيبٌ أنِّي قَلَيْتُ بني مر وانَ طُرًّا وأنَّني ما قليتكْ
قَرُبَ العدلُ منك لمَّا نأى الجو رُ بهم فاجتويتهم واجتبيتُكْ
فلَوَ انَّي ملكتُ دفعاً لما نا بك من طارق الردى لفديتُكْ


وقيل عند وفاته :

هل في الخلود إلى القيامة مطمع أم للمنون عن ابن آدم مدفع
هيهات ما للنفس من متأخر عن وقتها لو أن علماً ينفع
أين الملوك وعيشهم فيما مضى وزمانهم فيه وما قد جمعوا
ذهبوا ونحن على طريقة من مضى منهم فمفجوع به ومفجع
عثر الزمان بنا فأوهى عظمنا إن الزمان بما كرهنا مولع

كان ثقة مأمونا له فقه وعلم وورع وروى حديثاً كثيراً وكان إمام عدل ملك سنتين وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً ومات يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة.
ويذكر أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر إلى المدينة يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، وكان يلزمه الصلوات، فأبطأ يوما عن الصلاة، فقال: ما حبسك ؟ قال: كانت مرجلتي تسكن شعري، فقال: بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة، وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولا إليه فما كلمه حتى حلق شعره.

ثم بعث إليه عبدالملك بن مروان عند وفاة أبيه، وخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه بابنته فاطمة التي قيل فيها:

بنت الخليفة، والخليفة جدها أخت الخلائف، والخليفة زوجها

وكان الذين يعيبون عمر ممن يحسده بإفراطه في النعمة، واختياله في المشية قبل أن يكون خليفة.

وقد ولي عمر المدينة في إمرة الوليد من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين.

قد كان هذا الرجل حسن الخلق والخلق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أواها منيبا، قانتا لله، حنيفا زاهدا مع الخلافة، ناطقا بالحق مع قلة المعين، وحصلت له الشهادة والسعادة، وعد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.

ذكرت فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز:icq: أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ألشئ حدث ؟ قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الارض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت.

ومن شعره:

من كان حين تصيب الشمس جبهته أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في قعر مظلمة غبراء موحشة يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

مرضه ::heartbr:

قالت فاطمة بنت عبدالملك: كنت أسمع عمر بن عبد العزيز في مرضه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعة، قالت: قلت له: ألا أخرج عنك، فإنك لم تنم، فخرجت، فجعلت أسمعه يقول: { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين } [ القصص: 83 ] ، مرارا، ثم أطرق، فلبثت طويلا لا يسمع له حس، فقلت لخادمه: ويحك! انظر، فلما دخل، صاح، فدخلت فوجدته ميتا، قد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه.

رحمه الله واسكنه فسيح جنانه .........

wisal
10-08-2008, 12:01 PM
ابن جرير الطبري
:rose:
محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري

صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إماما في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحدا.

وكان ابن جرير ثقة في نقله وتاريخه أصح التواريخ، ومن المنسوب إليه:

إذا عسرت لم يعلم صديقي وأستغنى فيستغنى صديقي
حيائي حافظ لي ماء وجهي ورفقي في مطالبتي رفيقي
ولو أني سمحت ببذل وجهي لكنت إلى الغنى سهل الطريق

كانت ولادة ابن جرير سنة أربع وعشرين وماتين بآمل طبرستان ووفاته يوم السبت سادس عشرين شوال سنة عشر وثلث مائة ودفن يوم الأحد في داره ببغداد، وقد طوف الأقاليم وقرأ القرآن على سليمان بن عبد الرحمن الطلحي، وصنف كتابا حسنا في القراآت وروى عنه جماعة.

و كان أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله،:kiss2: جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره فكان حافظاً لكتاب الله بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطريقها صحيحها وسقيمها ناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعين بصيرا بأيام الناس وأخبارهم له الكتاب المشهور في تاريخ الأمم وكتاب التفسير الذي لم ير مثله وتهذيب الآثار لم ير مثله في معناه ولم يتم وله في الأصول والفروع كتب كثيرة واختار من أقاويل الفقهاء وتفرد بمسايل حفظت عنه ومكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة.

وقد حسب تلامذته آنه مذ بلغ الحلم إلى أن مات فصار له لكل يوم سبعة عشر ورقة، وقيل: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير ابن جرير لم يكن كثيرا، وقال الإمام ابن خزيمة: ما اعلم على أديم الأرض اعلم من ابن جرير قالوا كم قدره فذكر نحو ثلثين ألف ورقة، فقالوا هذا شىء مما تفنى الأعمار دونه فقال إنا لله... ماتت الهمم... فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة:brb:.
ومن كتبه: القراآت، والعدد والتنزيل، واختلاف العلماء، تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين إلى شيوخه، لطف القول في أحكام شرايع الإسلام وهو مذهبه الذي اختاره وجوده واحتج وهو ثلثة وثمانون كتابا، ولطايف القول وخفيفه في شرايع الإسلام.

وقال الخطيب: عاش خمسا وثمانين سنة :moon:

ورثاه أبو بكر بن دريد بقصيدة قال فيها:

لن تستطيع لأمر الله تعقيبا فاستنجد الصبر أو فاستشعر الحوبا
وافزع إلى كنف التسليم وارض بما قضى المهيمن مكروها ومحبوبا
إن العزاء إذا عزته جائحة ذلت عريكته فانقاد مجنوبا
فإن قرنت إليه العزم أيده حتى يعود لديه الحزن مغلوبا
فارم الأسى بالأسى يطفي مواقعها جمراً خلال ضلوع الصدر مشبوبا
من صاحب الدهر لم يعدم مجلجلة يظل منها طوال العيش منكوبا
إن البلية لا وفر تزعزعه أيدي الحوادث تشتيتاً وتشذيبا
ولا تفرق آلاف يفوت بهم بين يغادر حبل الوصل مقضوبا
لكن فقدان من أضحى بمصرعه نور الهدى وبهاء العلم مسلوبا
أودى أبو جعفر والعلم فاصطحبا عظم بذا صاحبا إذ ذاك مصحوبا
إن المنية لم تتلف به رجلاً بل أتلفت علماً للدين منصوبا
أهدى الردى للثرى إذ نال مهجته نجما على من يعادي الحق مصبوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه فالآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغر التي جعلت للعلم نوراً وللتقوى محاريبا
لا ينسري الدهر عن شبه له أبداً ما استوقف الحج بالأنصاب أركوبا
أوفى بعهد وأورى عند مظلمة زنداً وآكد إبراما وتأديبا
منه وأرصن حلما عند مزعجة تغادر القلبي الذهن منخوبا
إذا انتضى الرأي في إيضاح مشكلة أعاد منهجها المطموس ملحوبا
لا يعزب الحلم في عتب وفي نزق ولا يجرع ذا الزلات تثريبا
لا يولج اللغو والعوراء مسمعه ولا يفارق ما يغشيه تأنيبا
إن قال قاد زمام الصدق منطقه أو آثر الصمت أولى النفس تهييبا
لقلبه ناظرا تقوى سما بهما فأيقظ الفكر ترغيباً وترهيبا
تجلو مواعظه رين القلوب كما يجلو ضياء سنا الصبح الغياهيبا
سيان ظاهره البادي وباطنه فلا تراه على العلات مجدوبا
لا يأمن العجز والتقصير مادحه ولا يخاف على الإطناب تكذيبا
ودت بقاع بلاد الله لو جعلت قبراً له فحباها جسمه طيبا
كانت حياتك للدنيا وساكنها نوراً فأصبح عنها النور محجوبا
لو تعلم الأرض ما وارت لقد خشعت أقطارها لك إجلالاً وترحيبا
كنت المقوم من زيغ ومن ظلع وفاك نصحاً وتسديداً وتأديبا
وكنت جامع أخلاق مطهرة مهذباً من قراف الجهل تهذيبا
فإن تنلك من الأقدار طالبة لم يثنها العجز عما عز مطلوبا
فإن للموت ورداً ممقراً فظعاً على كراهته لا بد مشروبا
إن يندبوك فقد ثلت عروشهم وأصبح العلم مرثياً ومندوبا
ومن أعاجيب ما جاء الزمان به وقد يبين لنا الدهر الأعاجيبا
أن قد طوتك غموض الأرض في لحف وكنت تملأ منها السهل واللوبا
:flower:

wisal
10-09-2008, 09:05 AM
أبو أيوب الأنصاري
كان الرسول عليه السلام يدخل المدينة مختتما بمدخله هذا رحلة هجرته الظافرة،:flower: ومستهلا أيامه المباركة في دار الهجرة التي ادّخر لها القدر ما لم يدخره لمثلها في دنيا الناس..

وسار الرسول وسط الجموع التي اضطرمت صفوفها وأفئدتها حماسة، ومحبة وشوقا... ممتطيا ظهر ناقته التي تزاحم الناس حول زمامها كل يريد أن يستضيف رسول الله..:kiss2:

وبلغ الموكب دور بني سالم بن عوف، فاعترضوا طريق الناقة قائلين:

" يا رسول الله، أقم عندنا، فلدينا العدد والعدة والمنعة"..

ويجيبهم الرسول وقد قبضوا بأيديهم على زمام الناقة: " خلوا سبيلها فانها مأمورة".

لقد ترك النبي لقدر الله تعالى اختيار مكان نزوله حيث سيكون لهذا المنزل خطره وجلاله.. ففوق أرضه سينهض المسجد الذي تنطلق منه الى الدنيا بأسرها كلمات الله ونوره.. والى جواره ستقوم حجرة أو حجرات من طين وطوب.. ليس بها من متاع الدنيا سوى كفاف، أو أطياف كفاف!!

وأمام دار بني مالك بن النجار بركت الناقة.. ثم نهضت وطوّفت بالمكان، ثم عادت الى مبركها الأول . واستقرت في مكانها ونزل الرسول للدخول.. وتبعه رسول الله يخف به اليمن والبركة..

أتدرون من كان هذا السعيدالموعود الذي بركت الناقة أمام داره، وصار الرسول ضيفه، ووقف أهل المدينة جميعا يغبطونه على حظوظه الوافية..؟؟
انه بطل حديثنا هذا..:kiss3: أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، حفيد مالك بن النجار..

لم يكن هذا أول لقاء لأبي أيوب مع رسول الله..:rainbow:

فمن قبل، وحين خرج وفد المدينة لمبايعة الرسول في مكة تلك البيعة المباركة المعروفة بـ بيعة العقبة الثانية.. كان أبو أيوب الأنصاري بين السبعين مؤمنا الذين شدّوا أيمانهم على يمين الرسول مبايعين، مناصرين.

ولقد آثر الرسول أن ينزل في الدور الأول.. ولكن ما كاد أبو أيوب يصعد الى غرفته في الدور العلوي حتى أخذته الرجفة، ولم يستطع أن يتصوّر نفسه قائما أو نائما، وفي مكان أعلى من المكان الذي يقوم فيه رسول الله وينام..!!

وراح يلح على النبي ويرجوه ان ينتقل الى طابق الدور الأعلى فاستجاب النبي لرجائه..

ولسوف يمكث النبي بها حتى يتمّ المسجد، وبناء حجرة له بجواره..

وشهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم

ففي بدر، وأحد والخندق، وفي كل المشاهد والمغازي، كان البطل هناك بائعا نفسه وماله لله رب العالمين..

وبعد وفاة الرسول، لم يتخلف عن معركة كتب على المسلمين أن يخوضوها، مهما يكن بعد الشقة، وفداحة المشقة..!

وكان شعاره الذي يردده دائما، في ليله ونهاره.. في جهره واسراره.. قول الله تعالى:

{انفروا خفافا وثقالا}..

وهكذا، لم يكد يبصر جيش الاسلام يتحرك صوب القسطنطينية حتى ركب فرسه، وحمل سيفه، وراح يبحث عن استشهاد عظيم طالما حنّ اليه واشتاق..!!

وفي هذه المعركة أصيب.

وذهب قائد جيشه ليعوده، وكانت أنفاسه تسابق أشواقه الى لقاء الله..

فسأله القائد :

" ما حاجتك أبا أيوب"؟

ترى، هل فينا من يستطيع أن يتصوّر أو يتخيّل ماذا كانت حاجة أبا أيوب..؟:think:

كلا.. فقد كانت حاجته وهو يجود بروحه شيئا يعجز ويعيي كل تصوّر، وكل تخيّل لبني الانسان..!!

لقد طلب من القائد، اذا هو مات أن يحمل جثمانه فوق فرسه، ويمضي به الى أبعد مسافة ممكنة في أرض العدو، وهنالك يدفنه، ثم يزحف بجيشه
على طول هذا الطريق، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره، فيدرك حينئذ أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز..!!
أتحسبون هذا شعرا..؟

لا.. ولا هو بخيال، بل واقع، وحق شهدته الدنيا ذات يوم، ووقفت تحدق بعينيها، وبأذنيها، لا تكاد تصدق ما تسمع وترى..!!

ولقد أنجز القائد وصيّة أبي أيوب..

وفي قلب القسطنطينية، وهي اليوم استامبول، ثوى جثمان رجل عظيم، جدّ عظيم..!!

وحتى قبل أن يغمر الاسلام تلك البقاع، كان أهل القسطنطينية من الروم، ينظرون الى أبي أيوب في قبره نظرة إجلال

وانك لتعجب اذ ترى جميع المؤرخين الذين يسجلون تلك الوقائع ويقولون:

" وكان الروم يتعاهدون قبره، ويزورونه.. ويستسقون به اذا قحطوا"..!!

وعلى الرغم من المعارك التي انتظمت حياة أبي أيوب، والتي لم تكن تمهله ليضع سيفه ويستريح، على الرغم من ذلك، فان حياته كانت هادئة، نديّة كنسيم الفجر..

ذلك انه سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا فوعاه:

" واذا صليت فصل صلاة مودّع..

ولا تكلمن الناس بكلام تعتذر منه..

والزم اليأس مما في أيدي الناس"...

فقضى حياته في أشواق عابد، وعزوف مودّع..
فلما جاء أجله، لم يكن له في طول الدنيا وعرضها من حاجة سوى تلك الأمنية لتي تشبه حياته في بطولتها وعظمتها:

" اذهبوا بجثماني بعيدا.. بعيدا.. في ارض الروم ثم ادفنوني هناك"...

وانه اليوم لثاو هناك..:rose:

ام عبدالله
10-09-2008, 09:42 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


اسعد الله اوقاتكم بكل خير ويمن وبركات


عزيزتي الغالية

وصال العسل

بارك الله فيك واجزل لك الثواب على الشخصيات الرائعة التي تضيفينها الينا

وياليت امون عليك وتخصي في بعض الاحيان شخصيات اسلامية وطرقها لابواب العلم والسعي اليه فالنفس تهفو احيانا لاستنهاض الهمم وبسلفنا سلوة للخاطر ودفع لعلو الهمم


فلو قنعت نفسي بميسور بلغةٍ لما سبقت في المكرمات رجالها
ولو كانت الدنيا مناسبةً لها لما استحقرت نقصانها وكمالها
ولا أرمق الدنيا بعين كرامةٍ ولا أتوقى سوءها واختلالها
وذاك لأني عارفٌ بفنائها ومستيقنٌ ترحالها وانحلالها
أروم أموراً يصغر الدهر عندها وتستعظم الأفلاك طراً وصالها


وفي سبيل أن يتفرّغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع ما لم يعاني مثله أحد..



طلب العلم وهو ابن خمس عشرة سنة، في العالم الذي مات فيه مالك .
وعنه قال: نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة لم نضبطه، فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد ؟ !



وقد كان ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ ، وكان قوي الحجة والإقناع حتى قيل فيه : أنه لو كلمك في سارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته.



ذكرت فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه، فإذا هو في مصلاه يده على خده، سائلة دموعه، فقلت: يا أمير المؤمنين! ألشئ حدث ؟ قال: يا فاطمة! إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير، وذي العيال في أقطار الارض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت



وقد حسب تلامذته آنه مذ بلغ الحلم إلى أن مات فصار له لكل يوم سبعة عشر ورقة، وقيل: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل تفسير ابن جرير لم يكن كثيرا، وقال الإمام ابن خزيمة: ما اعلم على أديم الأرض اعلم من ابن جرير قالوا كم قدره فذكر نحو ثلثين ألف ورقة، فقالوا هذا شىء مما تفنى الأعمار دونه فقال إنا لله... ماتت الهمم... فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة.



وكان شعاره الذي يردده دائما، في ليله ونهاره.. في جهره واسراره.. قول الله تعالى:

{انفروا خفافا وثقالا}..


جزاك الله كل خير نسأل الله النفع والفائدة


دمتم بكل خير.

wisal
10-10-2008, 12:47 PM
جزاك الله خيرا ام عبد الله على المرور الطيب والرد الكريم

اعجبني الشعار او التوقيع الجديد في متصفحك

wisal
10-13-2008, 12:21 PM
عبدالله بن رواحة
يا نفس، الا تقتلي تموتي
عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مستخفيا من كفار قريش مع الوفد القادم من المدينة هناك عند مشارف مكة، يبايع اثني عشر نقيبا من الأنصار بيعة العقبة الأولى، كان هناك عبدالله بن رواحة واحدا من هؤلاء النقباء، حملة الاسلام الى المدينة، والذين مهدّت بيعتهم هذه للهجرة التي كانت بدورها منطلقا رائعا لدين الله، والاسلام..

وعندما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يبايع في العام التالي ثلاثة وسبعين من الأنصار أهل المدينة بيعة العقبة الثانية، كان ابن رواحة العظيم واحدا من النقباء المبايعين...

وبعد هجرة الرسول وأصحابه الى المدينة واستقرارهم بها، كان عبدالله بن رواحة من أكثر الأنصار عملا لنصرة الدين ودعم بنائه، وكان من أكثرهم يقظة لمكايد عبد الله بن أبيّ الذي كان أهل المدينة يتهيئون لتتويجه ملكا عليها قبل أن يهاجر الاسلام اليها، والذي لم تبارح حلقومه مرارة الفرصة الضائعة، فمضى يستعمل دهاءه في الكيد للاسلام. في حين مضى عبدالله بن رواحة يتعقب هذا الدهاء ببصيرة منيرة، أفسدت على ابن أبيّ أكثر مناوراته، وشلّت حركة دهائه..!!:nerd:

وكان ابن رواحة رضي الله عنه، كاتبا في بيئة لا عهد لها بالكتابة الا يسيرا..:goldboy:

وكان شاعرا، ينطلق الشعر من بين ثناياه عذبا قويا..

ومنذ أسلم، وضع مقدرته الشعرية في خدمة الاسلام..:angel:

وكان الرسول يحب شعره ويستزيده منه..

جلس عليه السلام يوما مع أصحابه، وأقبل عبدالله بن رواحة، فسأله النبي:
« كيف تقول الشعر اذا أردت أن تقول »..؟؟

فأجاب عبدالله: أنظر في ذاك ثم أقول..

ومضى على البديهة ينشد:

يا هاشم الخير ان الله فضّلكم على البريّة فضلا ما له غير
اني تفرّست فيك الخير أعرفه فراسة خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهم في حلّ أمرك ما ردّوا ولا نصروا
فثّبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

فسرّ الرسول ورضي وقال له:
« واياك، فثّبت الله »..

وحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يطوف بالبيت في عمرة القضاء

كان ابن رواحة بين يديه ينشد من رجزه:

يا ربّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام ان لاقينا
ان الذين قد بغوا علينا اذا أرادوا فتنة أبينا

وكان المسلمون يرددون أنشودته الجميلة..

وحزن الشاعر المكثر، حين تنزل الآية الكريمة: { والشعراء يتبعهم الغاوون } [الشعراء:224]..

ولكنه يستردّ غبطة نفسه حين تنزل آية أخرى: { الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وانتصروا من بعد ما ظلموا ...}[الشعراء:227].

**

وحين يضطر الإسلام لخوض القتال دفاعا عن نفسه، يحمل ابن رواحة سيفه في مشاهد بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر جاعلا شعاره دوما هذه الكلمات من شعره وقصيده:
( يا نفس الا تقتلي تموتي )..

وصائحا في المشركين في كل معركة وغزاة:

خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا، فكل الخير في رسوله

**

وجاءت غزوة مؤتة..

وكان عبدالله بن رواحة ثالث الأمراء، كما أسلفنا في الحديث عن زيد وجفعر..

ووقف ابن رواحة رضي الله عنه والجيش يتأهب لمغادرة المدينة..

وقف ينشد ويقول:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفد الأحشاء والكبدا
حتى يقال اذا مرّوا على جدثي يا أرشد الله من غاز، وقد رشدا

أجل تلك كانت أمنيته ولا شيء سواها.. ضربة سيف أو طعنة رمح، تنقله الى عالم الشهداء والظافرين..!!

**

وتحرّك الجيش الى مؤتة، وحين استشرف المسلمون عدوّهم قدروا جيش الروم بمائتي ألف مقاتل، إذ رأوا صفوفا لا آخر لها، وأعداداً تفوق الحصر والحساب..!!

ونظر المسلمون الى عددهم القليل، فوجموا.. وقال بعضهم:
( فلنبعث الى رسول الله، نخبره بعدد عدوّنا، فامّا أن يمدّنا بالرجال، وأمّا أن يأمرنا بالزحف فنطيع )..

بيد أن ابن رواحة نهض وسط صفوفهم كالنهار، وقال لهم:
( يا قوم.. إنّا والله، ما نقاتل الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به.. فانطلقوا.. فانما هي احدى الحسنيين، النصر أو الشهادة )...

وهتف المسلمون الأقلون عددا، الأكثرون ايمانا،..

هتفوا قائلين:

( قد والله صدق ابن رواحة )..

ومضى الجيش الى غايته، يلاقي بعدده القليل مائتي ألف، حشدهم الروم للقتال الضاري الرهيب...

**

والتقى الجيشان ...

وسقط الأمير الأول زيد بن حارثة شهيدا مجيدا..

وتلاه الأمير الثاني جعفر بن عبد المطلب حتى أدرك الشهادة في غبطة وعظمة..

وتلاه ثالث الأمراء عبدالهب بن رواحة فحمل الراية من يمين جعفر.. وكان القتال قد بلغ ضراوته، وكادت القلة المسلمة تتوه في زحام العرمرم ، الذي حشده هرقل..

وحين كان ابن رواحة يقاتل كجندي، كان يصول ويجول في غير تردد ولا مبالاة..

أما الآن، وقد صار أميرا للجيش ومسؤولا عن حياته، فقد بدا أمام ضراوة الروم، وكأنما مرّت به لمسة تردد وتهيّب، لكنه ما لبث أن استجاش كل قوى المخاطرة في نفسه وصاح..

أقسمت يا نفس لتنزلنّه مالي أراك تكرهين الجنّة؟؟
يا نفس الا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت

يعني بهذا صاحبيه الذين سبقاه الى الشهادة: زيدا وجعفر..:rosedead:

إن تفعلي فعلهما هديت.

انطلق يعصف بالروم عصفا..

ولولا كتاب سبق بأن يكون موعده مع الجنة، لظلّ يضرب بسيفه حتى يفني الجموع المقاتلة.. لكن ساعة الرحيل قد دقّت معلنة بدء المسيرة الى الله، فصعد شهيدا..

هوى جسده، فصعدت الى الرفيق الأعلى روحه المستبسلة الطاهرة..
وتحققت أغلى أمانيه:

حتى يقال اذا مرّوا على جدثي يا أرشد الله من غار، وقد رشدا

نعم يا ابن رواحة..

يا أرشد الله من غاز وقد رشدا..!!

**

وبينما كان القتال يدور فوق أرض البلقاء بالشام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه في المدينة، يحادثهم ويحادثونه..

وفجأة والحديث ماض في تهلل وطمأنينة، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسدل جفنيه قليلا.. ثم رفعهما لينطلق من عينيه بريق ساطع يبلله أسى وحنان..!!

وطوفّت نظراته الآسية وجوه أصحابه وقال:

« أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا »..

وصمت قليلا ثم استأنف كلماته قائلا:

« ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها، حتى قتل شهيدا »..:umbrella:

ثم صمت قليلا وتألقت عيناه بومض متهلل، مطمئن، مشتاق. ثم قال:

« لقد رفعوا الى الجنة »..!!

أيّة رحلة مجيدة كانت..

وأي اتفاق سعيد كان..

لقد خرجوا الى الغزو معا..

وكانت خير تحيّة توجّه لذكراهم الخالدة، كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم:

« لقد رفعوا الى الجنة »..!!

wisal
10-15-2008, 12:02 PM
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديقجمع المجدَ من أطرافه كلها، فأبوه محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأمُّه بنتُ كسرى يزدجرد، آخر ملوك الفرس، وعمَّته عائشة بنت أبي بكر، وفوق هذا وذاك كان تقيًّا عالماً، أحد فقهاء المدينة السبعة، وأفضل أهل زمنه علما وأحدُّهم ذهناً، وأشدُّهم ورعاً.

وُلد في أواخر خلافة عثمان بن عفان.

والدُه عُيِّن والياً على مصر، وقُتِل في مصر، فنُقــل مرة ثانية إلى المدينة.

تبدأ القصةُ حينما يتحدَّث هو عن نفسه، يقول: لما قُتل أبي بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا وأختي الصغيرة، ومضى بنا إلى المدينة، فما إن بلغناها حتى بعثت إلينا عمَّتي عائشة رضي الله عنها، فحملتنا من منزل عمنا إلى بيتها، وربَّتنا في حجـرها، فما رأيتُ والدةً قط، ولا والدا أكثر منها برًّا، ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمني بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته، وكانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم، تغسل أجسادنا، وتمشِّط شعورنا، وتلبسنا الأبيضَ الناصعَ من الثياب، وكانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير، وتمرّسنا بفعله، وتنهانا عن الشرِّ، وتحملنا على تركه، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله، وكانت تزيدنا برّاً وإتحافا في العيدين، فإذا كانت عشيِّةُ عرفة حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديدَ، وبعثت بنا إلى المسجد النبوي لنؤدِّي صلاة العيد، فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحَّت بين أيدينا.

وفي ذات يوم ألبستنا ثيابا بيضًا، ثم أجلستني على إحدى ركبتيها، وأجلست أختي على ركبتها الأخرى؛ وكانت قد دعت عمِّي عبد الرحمن، فلما دخل عليها حمدت اللهَ عزوجل، وأثنت عليه بما هو أهلُه، فما رأيتُ متكلِّما قطُّ من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصحَ منها لسانا، ولا أعذبَ منها بيانا، ثم قالت: أي أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذتُ هذين الصبيين منك، وضممتُهما إليَّ، وواللهِ ما فعلتُ ذلك تطاولا عليك، ولا سوء ظنّ بك، واتِّهاما لك بالتقصير في حقِّهما، ولكنك رجل ذو نساء، عندك عدة زوجات، وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما، فخشيتُ أن يرى نساؤُك منهما ما يستقذرنه، فلا يطبن بهما نفسا، ووجدتُ أني أحقُّ منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال، وها هما الآن قد شبَّا، وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما، فخذهما وضمَّهما إليك، فأخذنا عمي عبدُ الرحمن، وضمَّنا إلى بيته، بيد أن الغلام البكري ظلَّ معلَّق القلب ببيت عمَّته أمِّ المؤمنين رضوان الله عليها.

ولما شبَّ الفتى البكري كان قد حفظ كتاب الله تعالى، وأخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء له أن يأخذ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف، وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتشر في كل ركن من أركانه، فروى عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن خبَّاب، ورافع بن خديج، وأسلم مولى عمر بن الخطاب، وغيرهم وغيرهم، حتى غدا إماماً مجتهداً، وأصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة.

ولما اكتمل له العلمُ صار معلِّماً، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى أصبح القاسمُ بن محمد وابن خالته سالم إمامي المدينة الموثوقين، فقد سوَّدهما الناسُ لِما كان يتحلَّيان به من التقى والورع، وقد بلغ من مكانتهما في النفوس أن خلفاءَ بني أمية وولاتهم كانوا لا يقطعون أمرا ذا بالٍ في شأن من شؤون المدينة إلا برأيهما.

مرة هناك أعرابي دخل المسجد فقال: أيهما أعلم أنت أم سالم؟ فتشاغل عنه القاسمُ، أعاد عليه السؤال، فقال: سبحان الله، أعاده مرة ثالثة، فقال له: ذاك سالم يا بن أخي يجلس هناك فقال: من في المجلس؟ للهِ أبوه، لقد كره أن يقول: أنا أعلم منه فيزكِّي نفسَه، وكره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، وكان أعلمَ من سالم.

أتاه اليقينُ وهو في سنٍّ متقدِّمة، قصَد مكةَ يريد الحجَّ، وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقينُ، فلما أحسَّ بالأجل التفت إلى ابنه، وقال: إذا أنا متُّ فكفِّني بثيابي التي كنتُ أصلي بها، قميصي، وإزاري، وردائي، فذلك كان كفنُ جدِّك أبي بكر، ثم سوِّ عليَّ لحدي، والحق بأهلك، وإياكم أن تقفوا على قبري، وتقولوا: كان وكان، فما كنتُ شيئاً.

فكان هذا التابعي الجليل من أورع التابعين، ومن أشدِّهم علماً، وقد أمضى حياته بهذه الطريقة.

wisal
10-16-2008, 09:59 PM
الإمام مالك بن أنس

نشأته وحياته:هو مالك بن أنس بن مالك بن ابي عامر الأصبحي المدني ، إمام دار الهجرة وحجة الأمة
قدم أحد أجداده إلى المدينة وسكنها ، وجده الأعلى أبو عامر صحابي جليل ، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم
إلا بدرا
ولد مالك علىالأصح في سنة ثلاث وتسعين ، عام وموت أنس خادم رسول الله
طلب العلم بالمدينة على علمائها وهو ابن بضع عشرة سنة واول من لازمه من العلماء هو عبد الرحمن بن هرمز المعروف بالأعرج واخذ عن نافع مولى ابن عمر وعن الزهري وعن غيرهم كثير
من أقرانه : سفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم
من أعيان تلامذته : الشافعي وابن المبارك ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم
وممن عاصر من الخلفاء : المنصور والمهدي والهادي والرشيد
ولما بلغ سبع عشرة سنة نصب للتدريس بعد أن شهد له شيوخه بالحديث والفقه
روي عنه أنه قال : ماجلست للفتيا والحديث حتى شهد لي سبعون شيخا من أهل العلم أني مرضاة لذلك
مكث يفتي الناس ويعلمهم نحوا من سبعين سنة
وكان الناس يرتحلون إليه ويزدحمون على بابهوقد صدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ليضربن الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة
قال الإمام الذهبي : كان علم المدينة في زمانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم
وصاحبيه ، زيد بن ثابت وعائشة ثم ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم عبيد اللهه بن عمر ثم مالك
قالوا عنه::star:
قال ابن عيينة : مالك عالم أهل الحجاز وهو حجة زمانه
وقال الشافعي : إذا ذكر العلماء فمالك النجم
صفته وصفاته:
كان طوالا وجسيما ، عظيم الهامة ، أشقير ، أبيض الراس واللحية
وكان إذا أراد الخروج للحديث اغتسل ولبس أحسن ثيابه وتطيب،فقيل له في ذلك فقال : أوقر به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان لايحدث إلاعلى طهارة ولايحدث في الطريق أو قائما أو مستعجلا
وكان إذا رفع أحد صوته في مجلسه قال : قال الله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي
فمن رفع صوته عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم
وكان إماما في نقد الرجال في الحديث ، حافظا ، متقنا
وكان يقول : جنة العالم قوله لا أدري فإذا أغفلها أصيبت مقاتله
له كتاب ومؤلف عظيم هو : (الموطأ) أقام على تأليفه وتهذيبه نحو أربعين سنة
وله مؤلف : في النجوم ومنازل القمر ، ورسالة في الأقضية ، ورسالة إلى الليث بن سعد في إجماع أهل المدينة
وما نقل عنه كبار أصحابه من المسائل والفتاوى والفوائد فشيء كثير، ومن كنوز ذلك :كتاب( المدونة) و(الواضحة)
وفاته:
قال القعنبي : سمعتهم يقولون : عمر مالك تسع وثمانون سنة ، مات سنة تسع وسبعين ومئة، ودفن بالبقيع

رثاه أحدهم فقال :لقد أصبح الإسلام زعزع ركنه غداة ثوى الهادي لدى ملحد القبر
إمام الهدى مازال للعلم صائنا عليه سلام الله في آخر الدهر

قال الذهبي :angelgr:: اتفق لمالك مناقب ماعلمتها اجتمعت لغيره :
1. طول العمر وعلو الرواية
2. الذهن الثاقب والفهم والعلم
3. اتفاق الأمة على أنه حجة صحيح الرواية
4. إجماعهم على دينه وعدالته واتباعه للسنن
تقدمه في الفقه والفتوى وصحة قواعده

الى اللقاء مع شخصية اخرى
وفقكم الله ورعاكم

نور الحسن
10-22-2008, 02:26 PM
مشكور مشكور مشكور مشكور معلومات جدا جدا رائعه

غصن
10-23-2008, 09:28 AM
الحقيقة لم أجد كلمات لأشكركِ فيها وصال
مجهود رائع بارك الله فيكِ

wisal
10-23-2008, 12:37 PM
شكرا نور
وغصن مروركم نور الصفحة وفرح قلبي

نور الحسن
10-23-2008, 01:09 PM
العفوووووووووووووووووووو

wisal
10-26-2008, 09:02 PM
من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه: "ان لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟
من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا لعمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟:jabber:

من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟:love:

من هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟
أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه: "لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخافت أمين الله، وأمين رسوله"..

انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح..
أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للاسلام، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.


عندما بايع أبو عبيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن ينفق حياته في سبيل الله، كان مدركا تمام الادراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية..
ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي ايّامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله اياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة..

ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه،وأهداه اليه، فقال عليه الصلاة والسلام: <أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح>.

ان أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله.. فففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على احراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك، على اغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..

ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله..
وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما الى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل، ترقبانه في حرص وقلق..

وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..

وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صوب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم الى ربهم"..

ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخلا في وجنتي النبي، فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية..

وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصديق يصف لنا هذا المشهد بكلماته:
"لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة احدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه..

ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم."

لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...:icq:

ويوم جاء وفد نجران من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والاسلام، قال لهم رسول الله:

"لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..
وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"ما أحببت الامارة قط، حبّي اياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..

فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..

ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..

انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم..

ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..
وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا..
وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الاسلام في احدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..

لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..

و تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين.

ويسأله خالد:

"يرحمك الله يا أبا عبيدة. ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..

فيجيبه أمين الأمة:

"اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة".!!!

ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الاسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا..

فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..
وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..
فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته،

" يا أيها الناس..

اني مسلم من قريش..

وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه"..ّّ
ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه:

أين أخي..؟

فيقولون من..؟

فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح.

ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله..

ويسأله عمر وهو يبتسم:

" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟

فيجيبه أبو عبيدة:

" يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!!

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤون عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة..

وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع..

وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام..:baka:

ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر..

وأعاد مقالته عنه:

"لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..


مات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان..

هناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل، كان مستقرا لروح خير، ونفس مطمئنة..

وسواء عليه، وعليك، أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف..

فانك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة الى من يقودك اليه..

ذلك أن عبير رفاته، سيدلك عليه..

wisal
10-31-2008, 08:41 PM
أبو إسحاق الشيرازي الشافعي
إبراهيم بن علي بن يوسف الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الفيروزابادي شيخ الشافعية في زمانه لقبه جمال الدين.

تفقه بشيراز على أبي عبد الله البيضاوي وقدم البصرة فأخذ عن الجزري، ودخل بغداذ في شوال سنة خمس عشرة وأربع مائة وبرع في الفقه، وصار أنظر أهل زمانه وكان يضرب به المثل في الفصاحة.
رحل الناس إليه من البلاد، وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المرضية.:mail:

جاءته الدنيا صاغرة، فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته.

صنف في الاصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهدا، ورعا، متواضعا، ظريفا، كريما، جوادا، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة، وهوإمام الشافعية، ومدرس النظامية، وشيخ العصر.وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه - وكفاهم بذلك فخرا - وكان ينشد الاشعار المليحة، ويوردها، ويحفظ منها الكثير .

وعنه قال: العلم الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالما ولا يكون عاملا .:rainbow:

وقال: الجاهل بالعالم يقتدي، فإذا كان العالم لا يعمل، فالجاهل ما يرجو من نفسه؟ فالله الله يا أولادي! نعوذ بالله من علم يصير حجة علينا.وحدث ببغداذ همذان ونيسابور.

صنف المهذب والتنبيه، يقال إن فيه اثنتي عشرة ألف مسألة :surprised:ما وضع فيه مسألة حتى توضأ وصلى ركعتين وسأل الله أن ينفع المشتغل به وقيل ذلك إنما هو في المهذب، وصنف اللمع في أصول الفقه. وشرح اللمع. والمعونة في الجدل. والملخص في أصول الفقه. وكان في غاية من الدين والروع والتشدد في الدين. ولما بنى نظام الملك المدرسة النظامية ببغداذ سأله أن يتولاها فلم يفعل فولاها لأبي نصر بن الصباغ صاحب الشامل مدة يسيرة ثم أجاب إلى ذلك فتولاها ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة وقيل الأولى سنة ست وسبعين وأربع مائة ببغداذ ودفن من الغد بباب أبرز ومولده بفيروزاباد سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة، ورثاه أبو القاسم بن ناقيا بقوله:

أجرى المدامع بالدم المهراق خطب أقام قيامة الآماق
ما لليالي لا تؤلف شملها بعد ابن بجدتها أبي إسحاق

وكان ببغداذ شاعر يقال له عاصم قال فيه:

تراه من الذكاء نحيف جسم عليه من توقده دليل
إذا كان الفتى ضخم المعالي فليس يضره الجسم النحيل

وكان إذا أخطأ أحد بين يديه قال: أي سكتة فاتتك! وإذا تكلم في مسألة وسأل السائل سؤالاً غير متوجه قال:

سارت مشرقة وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب

وكان يقول :

إذا تخلفت عن صديق ولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعدها إليه فإنما وده تكلف:tetris:

وقال :

قصر النهار وشدة البرد قد حال دون لقاء ذي الود
فاعذر صديقاً في تأخره حتى يجيئك أول الورد

و أنشد أبو إسحاق الشيرازي لنفسه:

لقد جاءنا برد وورد كلاهما فيحمل هذا البرد من جهة الورد
كما يحمل المحبوب من حبه الأذى لما يجتنيه من جنى الورد في الخد

وورد له أيضاً قوله:

جاء الربيع وحسن ورده ومضى الشتاء وقبح برده
فاشرب على وجه الحبيــ ــب ووجنتيه وحسن خده

وجاء في أخباره أنه دخل الشيخ أبو إسحاق بعض المساجد ليأكل الطعام على عادته فنسي ديناراً كان في يده وخرج وذكر في الطريق فرجع فوجد الدينار في المسجد ثم فكر في نفسه وقال: ربما هذا الدينار وقع من غيري وما أعرف أن هذا لي أم لغيري، فتركته في المسجد وخرج وما مسه.

وكان الشيخ أبو إسحاق من الفصحاء البلغاء ألا ترى عبارته في التنبيه ما أفصحها وأعذبها.

ومن شعر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي:

سألت الناس عن خل وفي فقالوا ما إلي هذا سبيل
تمسك إن ظفرت بود حر فإن الحر في الدنيا قليل

قال خطيب الموصل أبو الفضل: حدثني أبي قال: توجهت من الموصل سنة 459 إلى أبي إسحاق، فلما حضرت عنده رحب بي، وقال: من أين أنت ؟ [ فقلت: من الموصل ]، قال: مرحبا أنت بلديي.

قلت: يا سيدنا!، أنت من فيروزاباد.:question:

قال: أما جمعتنا سفينة نوح؟ فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبب إلي لزومه، فصحبته إلى أن مات.

توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين وأربع مئة ببغداد، وأحضر إلى دار أمير المؤمنين المقتدي بالله، فصلى عليه، ودفن بمقبرة باب أبرز، وعمل العزاء بالنظامية، وصلى عليه صاحبه أبو عبدالله الطبري.

ومات أبو إسحاق، ولم يخلف درهما، ولا عليه درهم.:bigcry:

وما تزوج فيها أعلم، وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا، " كالمهذب "، و " التنبيه "، و " اللمع في أصول الفققه "، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه.

wisal
11-11-2008, 09:16 PM
الحسن البصري
عظيم أن يولد الإنسان في بيت تقى وصلاح:flower:، وأعظم منه أن يكون البيت بيت علم وهداية، فقد كان مولده في بيت أم سلمة رضي الله عنها، إذ كانت أمه مولاة لها، ولم يكن بيت أم سلمة رضي الله عنها مولده فحسب، بل لقد كان حجرها غطاءه، وصدرها سقاءه، فأدفته بصدرها، وأرضعته لبنها، وشاء الله أن يدر له منها لبنـًا، فكان لبنـًا مباركـًا، غدى به فصيح اللسان، قوي الحجة والبيان، إن تحدث فجدير لأن يسمع له، وإن سئل فجدير بأن يجيب، إن وعظ علا صوته، وجرى دمعه، وبدا إخلاصه، فيظهر على الناس الأثر، يسبق فعله كلامه، كما يسبق ضوء الفجر وهج الشمس.
أمور كثيرة هي التي منَّ الله عليه بها فرفع بين الناس، وإن لم يكن ذا نسب رفيع ، لكنه رفعه علمه وفضله وتقاه، طلب الحكام منه النصيحة فنصحهم، والعظة فوعظهم، وأعطوه أجرًا فرده وزجرهم، فهو لا يريد من البشر أجرًا إنما كان شعاره { إن أجري إلا على الله }[هود:9]، فنعم الأجر هو، ونعم الرجل كان.

نسبه :هو أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن بن يسار، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وكان يسار من سبي حسان، سكن المدينة، وأعتق وتزوج في خلافة عمر رضي الله عنه بأم الحسن وأسمها خيرة، كانت مولاة لأم المؤمنين أم سلمة المخزومية .:smile2:

نشأته :ولد الحسن رحمه الله لسنتين بقيتا من خلافه عمر رضي الله عنه وذهب به إلى عمر فحنكه ، ولما علمت أم المؤمنين أم سلمة بالخبر أرسلت رسولاً ليحمل إليها الحسن ، وأمه لتقضي نفاسها في بيت أم سلمة رضي الله عنها، فلما وقعت عينها على الحسن وقع حبه في قلبها، وسمّته أم المؤمنين رضي الله عنها بالحسن، ولم تكن البشرى لتقتصر على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب؛ بل عمت الفرحة دار الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، فهو مولى أبيه .

وكان كرم الله على الحسن أن نشأ في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وكانت أمه تتركه عند أم المؤمنين ، وتذهب لقضاء حوائجها ، فكان الحسن إذا بكى ألقمته أم المؤمنين ثديها ، فيدر عليه لبنـًا بأمر الله ، على الرغم من كبر سنها فضلا عن أنه لم يكن لها ولد وقتها ، فكانت أم سلمة رضي الله عنها أمـًا للحسن من جهتين: الأولى كونها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فهي أم له وللمؤمنين، والثانية كونها أمـًا له من الرضاعة .

ولم يكن الحسن رضي الله عنه قاصرًا في نشأته على بيت أم سلمة رضي الله عنها فحسب؛ بل كان يدور على بيوت أمهات المؤمنين رضي الله عنهنَّ، وكان هذا داعيـًا لأن يتخلق الغلام الصغير بأخلاق أصحاب البيوت، وكان هو يحدث عن نفسه، ويخبر بأنه كان يصول ويجول في داخل بيوتهنَّ رضي الله عنهنَّ حتى أنه كان ينال سقوف بيوتهنَّ بيديه وهو يقفز فيها قفزًا .

زهده :عاش الحسن رضي الله عنه دنياه غير آبه بها ، غير مكترث لها ، لا يشغله زخرفها ولا يغويه مالها، فكان نعم العبد الصالح، حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن، فقيهـًا زاهدًا، مشمرًا عابدًا، وفي هذا يقول: إن المؤمن يصبح حزينـًا ويمسي حزينـًا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة، الكف من التمر والشربة من الماء.

ولقد شهد له أهل البصرة بذلك، حدث خالد بن صفوان، وكان من فصحاء العرب، فقال لقيت مسلمة بن عبد الملك فقال لي : أخبرني عن حسن البصرة ، فقال خالد : أنا خيرٌ من يخبرك عنه بعلم، فأنا جاره في بيته وجليسه في مجلسه وأعلم أهل البصرة به، إنه امرؤٌ سريرته كعلانيته ، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به ، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، ولقد رأيته مستغنيـًا عن الناس زاهدًا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه طالبين ما عنده، فقال مسلمة : حسبك يا خالد حسبك ‍‍ كيف يضل قوم فيهم مثل هذا ؟‍‍!!

مكانته العلمية وأسبابها :
كان رضي الله عنه جامعـًا، عالمـًا، فقيهـًا، ثقة، حجة مأمونـًا فصيحـًا، ويعد الحسن رضي الله عنه سيد أهل زمانه علمـًا وعملاً، وأشدهم فصاحة وبيانـًا، وقد برع ـ رحمه الله ـ في الوعظ والتفسير براعة لا تفاق، حتى كان فارس الميدان، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها :
نشأته في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها.
قربه من بيوت أمهات المؤمنين ، فكان ذلك داعيـًا لأن يتعلم منهنَّ .
لزومه حلقة ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ ، فقد أخذ عنه الفقه والحديث والتفسير والقراءات واللغة.
ولوعه بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ فقد راعه فيه صلابته في الدين وإحسانه في العبادة، وزهده في الدنيا، وقوته في الفصاحة والبيان .

من لقي من الصحابة:
لقي عمران بن حصين، والمغيرة، وعبد الرحمن بن سمرة، والنعمان بن بشير، وجابر، وابن عباس، وابن سريع، وأنس، كما رأى عثمان وطلحة، وكان يحدث هو فيقول أنه أدرك سبعين بدريـًا .
ما قيل فيه :
قال أبو بردة : ما رأيت أحدًا أشبه بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم منه.:kiss4:
وقال أبو قتادة : ما رأيت أحدًا أشبه رأيـًا بعمر منه .
وقال قتادة : ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له فضلاً عليه ، وما جالست فقيهـًا قط إلا رأيت فضل الحسن .
وقال الأشعث : ما لقيت أحدًا بعد الحسن إلا صغر في عيني .
وقال عطاء : ذاك إمام ضخم يقتدى به .

من كلامه رضي الله عنه :- ابن آدم : إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك .
- فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لب فرحـًا.
- ضحك المؤمن غفلة من قلبه .

وفاته رضي الله عنه :
في العام العاشر بعد المائة الأولى وفي غرة رجب ليلة الجمعة وافقت المنية الحسن رضي الله عنه، فلما شاع الخبر بين الناس ارتجت البصرة كلها رجـًا لموته رضي الله عنه، فغسل وكفن، وصلى عليه في الجامع الذي قضى عمره فيه؛ داعيـًا ومعلمـًا وواعظـًا، ثم تبع الناس جنازته بعد صلاة الجمعة، فاشتغل الناس في دفنه ولم تقم صلاة العصر في البصرة لانشغال الناس بدفنه رحم الله أبا سعيد ، وتقبله في الصالحين ، وجمعنا الله به في دار كرامته

wisal
11-19-2008, 09:04 PM
هل من شخصية تحبون الحديث عنها ؟

wisal
11-27-2008, 09:23 PM
نسيج وحده

أبوه سعد القارئ رضي الله عنه.. شهد بدرا مع رسول الله والمشاهد بعدها.. وظلّ أمينا على العهد حتى لقي الله شهيدا في موقعة القادسية.

ولقد اصطحب ابنه الى الرسول، فبايع النبي وأسلم..

ومنذ أسلم عمير وهو عابد مقيم في محراب الله.

يهرب من الأضواء، ويفيئ الى سكينة الظلال.:goldboy:

هيهات أن تعثر عليه في الصفوف الأولى، الا أن تكون صلاة، فهو يرابط في صفها الأول ليأخذ ثواب السابقين.. والا أن يكون جهاد، فهو يهرول الى الصفوف الأولى، راجيا أن يكون من المستشهدين..!

وفيما عدا هذا، فهو هناك عاكف على نفسه ينمي برّها، وخيرها وصلاحها وتقاها..!!

متبتل، ينشد أوبه..!!

أوّاب، يبكي ذنبه..!!
مسافر الى الله في كل ظعن، وفي كل مقام...

**

ولقد جعل الله له في قلوب الأصحاب ودّا، فكان قرّة أعينهم ومهوى أفئدتهم..

ذلك أن قوة ايمانه، وصفاء نفسه، وهدوء سمته، وعبير خصاله، واشراق طلعته، كان يجعله فرحة وبهجة لكل من يجالسه، أ، يراه.:grin:

ولم يكن يؤثر على دينه أحدا، ولا شيئا.

سمع يوما جلاس بن سويد بن الصامت، وكان قريبا له.. سمعه يوما وهو في دارهم يقول:" لئن كان الرجل صادقا، لنحن شرّ من الحمر"..!!

وكان يعني بالرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان جلاس من الذين دخلوا الاسلام رهبا.

سمع عمير بن سعد هذه العبارات ففجرت في نفسه الوديعة الهادئة الغيظ والحيرة..

الغيظ، لأن واحدا يزعم أنه من المسلمين يتناول الرسول بهذه اللهجة الرديئة..

والحيرة، لأن خواطره دارت سريعا على مسؤوليته تجاه هذا الذي سمع وأنكر..

ينقل ما سمع الى رسول الله؟؟

كيف، والمجالس بالأمانة..؟؟

أيسكت ويطوي صدره ما سمع؟

كيف؟؟

وأين ولاؤه ووفاؤه للرسول الذي هداهم الله به من ضلالة، وأخرجهم من ظلمة..؟

لكن حيرته لم تطل، فصدق النفس يجددائما لصاحبه مخرجا..

وعلى الفور تصرّف عمير كرجل قوي، وكمؤمن تقي..

فوجه حديثه الى جلاس بن سويد..

" والله يا جلا، انك لمن أحب الناس الي، وأحسنهم عندي يدا، وأعزهم عليّ أن يصيبه شيء يكرهه..

ولقد قلت الآن مقالة لو أذعتها عنك لآذتك.. وان صمتّ عليها، ليهلكن ديني، وان حق الدين لأولى بالوفاء، واني مبلغ رسول الله ما قلت"..!

وأرضى عمير ضميره الورع تماما..

فهو أولا أدّى أمانة المجلس حقها، وارتفع بنفسه الكبيرة عن ان يقوم بدور المتسمّع الواشي..

وهو ثانيا أدى لدينه حقه، فكشف عن نفاق مريب..

وهو ثالثا أعطى جلاس فرصة للرجوع عن خطئه واستغفار الله منه حين صارحه بأنه سيبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو أنه فعل آنئذ، لاستراح ضمير عمير ولم تعد به حاجة لابلاغ الرسول عليه السلام..

بيد أن جلاسا أخذته العزة بالاثم، ولم تتحرك شفتاه بكلمة أسف أو اعتذار، وغادرهم عمير وهو يقول:

" لأبلغنّ رسول الله قبل أن ينزل وحي يشركني في اثمك"...

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب جلاس فأنكر أنه قال، بل حلف بالله كاذبا..!!

لكن آية القرآن جاءت تفصل بين الحق والباطل:

{ يحلفون بالله ما قالوا.. ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد اسلامهم، وهمّوا بما لم ينالوا.. وما نقموا الا أن أغناهم الله ورسوله من فضله.. فان يتوبوا خيرا لهم، وان يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة،وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } [التوبة:74]..

واضطر جلاس أن يعترف بمقاله، وأن يعتذر عن خطيئته، لا سيما حين رأى الآية الكريمة التي تقرر ادانته، تعده في نفس اللحظة برحمة اله ان تاب هو وأقلع:

{ فان يتوبوا، يك خيرا لهم }..

وكان تصرّف عمير هذا خيرا وبركة على جلاس فقد تاب وحسن اسلامه..

وأخذ النبي بأذن عمير وقال له وهو يغمره بسناه:

" يا غلام..

وفت اذنك..

وصدّقك ربك"..!!

**

تعلمون أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه كان يختار ولاته وكأنه يختار قدره..!!

كان يختارهم من الزاهدين الورعين، والأمناء الصادقين.. الذين يهربون من الامارة والولاية، ولا يقبلونها الا حين يكرههم عليها أمير المؤمنين..

وكان برغم بصيرته النافذة وخبرته المحيطة يستأني طويلا، ويدقق كثيرا في اختيار ولاته ومعاونيه..

وكان لا يفتأ يردد عبارته المأثورة:

" أريد رجلا اذا كان في القوم، وليس أميرا عليهم بدا وكأنه أميرهم.. واذا كان فيهم وهو عليهم امير، بدا وكأنه واحد منهم..!!

أريد واليا، لا يميز نفسه على الناس في ملبس، ولا في مطعم، ولا في مسكن..

يقيم فيهم الصلاة.. ويقسم بينهم بالحق.. ويحكم فيهم بالعدل.. ولا يغلق بابه دون حوائجهم"..

وفي ضوء هذه المعايير الصارمة، اختار ذات يوم عمير بن سعد واليا على حمص..

وحاول عمير أن يخلص منها وينجو،:crysad: ولكن أمير المؤمنين ألزمه بها الزاما، وفرضها عليه فرضا..

واستخار الله، ومضى الى واجبخ وهمله..

وفي حمص مضى عليه عام كامل، لم يصل الى المدينة منه خراج..

بل ولم يبلغ أمير المؤمنين رضي الله عنه منه كتاب..

ونادى أمير المؤمنين كاتبه وقال له:

" اكتب الى عمير ليأتي الينا"..

وهنا أستأذنكم في أن أنقل صورة اللقاء بين عمر وعمير، كما هي في كتابي بين يدي عمر.

" ذات يوم شهدت شوارع المدينة رجلا أشعث أغبر، تغشاه وعثاء السفر، يكاذ يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعا، من طول ما لاقى من عناء، وما بذل من جهد..

على كتفه اليمنى جراب وقصعة..

وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء..!

وانه ليتوكأ على عصا، لا يؤدها حمله الضامر الوهنان..!!

ودلف الى مجلس عمر فى خطى وئيدة..

السلام عليك يا امير المؤمنين..

ويرد عمر السلام، ثم يسأله، وقد آلمه ما رآه عليه من جهد واعياء:

ما شأنك يا عمير..؟؟

شأني ما ترى... ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرّها بقرنيها..؟؟!!

قال عمر: وما معك..؟

قال عمير: معي جرابي أحمل فيه زادي..

وقصعتي آكل فيها.. واداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي.. وعصاي أتوكأ عليها، وأجاهد بها عدوّا ان عرض.. فوالله ما الدنيا الا تبع لمتاعي..!!

قال عمر: أجئت ماشيا..

عمير: نعم..

عمر: أولم تجد من يعطيك دابة تركبها..؟

عمير: انهم لم يفعلوا.. واني لم أسألهم..

عمر: فماذا عملت فيما عهدنا اليك به...؟

عمير: أتيت البلد الذي يعثتني اليه، فجمعت صلحاء أهله، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم، حتى اذا جمعوها وضعوها في مواضعها.. ولو بقي لك منها شيء لأتيتك به..!!

عمر: فما جئتنا بشيء..؟

عمير: لا..

فصاح عمر وهو منبهر سعيد:

جدّدوا لعمير عهدا..

وأجابه عمير في استغناء عظيم:

تلك أيام قد خلت.. لا عملت لك، ولا لأحد بعدك"..!!:lightning:

هذه لصورة ليست سيناريو نرسمه، وليست حوارا نبتدعه.. انما هي واقعة تاريخية، شهدتها ذات يوم أرض المدينة عاصمة الاسلام في أيام خلده وعظمته.

فأي طراز من الرجال كان أولئك الأفذاذ الشاهقون..؟!!

**

وكان عمر رضي الله عنه يتمنى ويقول:

" وددت لو أن لي رجالا مثل عمير أستعين بهم على أعمال المسلمين"..

ذلك أن عميرا الذي وصفه أصحابه بحق بأنه نسيج وحده كان قد تفوّق على كل ضعف انساني يسببه وجودنا المادي، وحياتنا الشائكة..

ويوم كتب على هذا العظيم أن يجتاز تجربة الولاية والحكم، لم يزدد ورعه بها اا مضاء ونماء وتألقا..

والآن نحن نودّع عميرا.. ونجييه في اجلال وخشوع، تعالوا نحن رؤوسنا وجباهنا:

لخير المعلمين: محمد..

لامام المتقين: محمد..

لرحمة الله المهداة الى الناس في قيظ الحياة

عليه من الله صلاته. وسلامه..

وتحياته وبركاته..

وسلام على آله الآطهار..

وسلام على أصحابه الأبرار...

wisal
12-04-2008, 10:01 PM
أشبهت خلقي، وخلقي
انظروا جلال شبابه..

انظروا نضارة اهابه..

انظروا أناته وحلمه، حدبه، وبرّه، تواضعه وتقاه..

انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف.. وجوده الذي لايخاف الفقر..

انظروا طهره وعفته..

انظروا صدقه وأمانته...

انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن، والفضيلة، والعظمة، ثم لا تعجبوا، فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول خلقا، وخلقا..

أنتم أمام من كنّاه الرسول بـ أبي المساكين..

أنت تجاه من لقبه الرسول بـ ذي الجناحين..
أنتم تلقاء طائر الجنة الغريد، جعفر بن أبي طالب..!! عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين أسهموا أعظم اسهام في صوغ ضمير الحياة..!!

**

أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم مسلما، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين..

وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميس..

وحملا نصيبهما من الأذى ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة..

فلما اختار الرسول لأصحابه الهجرة الى الحبشة، خرج جعفر وزوجه حيث لبيا بها سنين عددا، رزقا خلالها بأولادهما الثلاثة محمد، وعبد الله، وعوف...

**

وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب المتحدث اللبق، الموفق باسم الاسلام ورسوله..

ذلك أن الله أنعم عليه فيما أنعم، بذكاء القلب، واشراق العقل، وفطنة النفس، وفصاحة اللسان..

ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد.. أروع أيامه وأمجاده وأخلدها..

فإن يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي بالحيشة، لن يقلّ روعة ولا بهاء، ولا مجدا..

لقد كان يوما فذّا، ومشهدا عجبا...

**

وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها، ولم يذهب من غيظها، هجرة المسلمين الى الحبشة، بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم، ويتكاثر طمعهم..

وحتى اذا لم تواتهم فرصة التكاثر والقوّة، فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها.. يظلوا هناك في مهاجرهم أملا رحبا تهتز له نفس الرسول، وينشرح له صدر الاسلام..

هنالك قرر ساداتها ارسال مبعوثين الى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة، ويحملان رجاءهما في أن يخرج هؤلاء الذين جاؤوا اليها لائذين ومستجيرين...

وكان هذان المبعوثان: عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وكانا لم يسلما بعد...

**

كان النجاشي يجلس أيامئذ على عرش الحبشة، وكان ذكره يسبقه.. وسيرته العادلة، تنشر غبيرها في كل مكان تبلغه..

من أجل هذا، اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه..

ومن أجل هذا، خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحمّلت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة، وكبار رجال الكنيسة هناك، وأوصى زعماء قريش مبعوثيها ألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولا، وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما، ليكونوا لهم عونا عند النجاشي.

وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها اليهم.. ثم أرسلا للنجاشي هداياه..

ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين، ويستنجدان بهم لحمل النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها.

**

وفي وقار مهيب، وتواضع جليل، جلس النجاشي على كرسيه العالي، تحفّ به الأساقفة ورجال الحاشية، وجلس أمامه في البهو الفسيح، المسلمون المهاجرون، تغشاهم سكينة الله، وتظلهم رحمته.. ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردّداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذ الاجتماع الحاشد الكبير:

( أيها الملك.. انه قد ضوى لك الى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، بل جاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، أعمامهم، وعشائرهم، لتردّهم اليهم )...

وولّى النجاشي وجهه شطر المسلمين، ملقيا عليهم سؤاله:
( ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا )..؟؟

ونهض جعفر قائما.. ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لها ابّان تشاورهم، وقبل مجيئهم الى هذا الاجتماع..

نهض جعفر في تؤدة وجلال، وألقى نظرات محبّة على الملك الذي أحسن جوارهم وقال:
( يا أيها الملك.. كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا الى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان..
وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء..

ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات.. فصدّقناه وآمنّا به، واتبعناه على ما جاءه من ربه، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فغدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا الى عبادة الأوثان، والى ما كنّا عليه من الخبائث..
فلما قهرونا، وظلمونا، وضيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا الى بلادك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك )...

**

ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر، فملأت نفس النجاشي احساسا وروعة، والتفت الى جعفر وساله:
( هل معك مما أنزل على رسولكم شيء )..؟

قال جعفر: ( نعم )..
قال النجاشي: ( فاقرأه علي.. )

ومضى حعفر يتلو لآيات من سورة مريم، في أداء عذب، وخشوع فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته جميعا..
ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة، التفت الى مبعوثي قريش، وقال:

( ان هذا، والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة..
انطلقا فلا والله، لا أسلمهم اليكما )..!!

**

انفضّ الجمع، وقد نصر الله عباده وآرهم، في حين رزئ مندوبا قريش بهزيمة منكرة..

لكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة، لا يتجرّع الهزيمة، ولا يذعن لليأس..

وهكذا لم يكد يعود مع صاحبه الى نزلهما، حتى ذهب يفكّر ويدبّر، وقال لزميله:

( والله لأرجعنّ للنجاشي غدا، ولآتينّه عنهم بما يستأصل خضراءهم )..

وأجابه صاحبه: ( لا تفعل، فان لهم أرحاما، وان كانوا قد خالفونا )..

قال عمرو: ( والله لأخبرنّه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، كبقية العباد )..

هذه اذن هي المكيدة الجديدة الجديدة التي دبّرها مبعوث قريش للمسلمين كي يلجئهم الى الزاوية الحادة، ويضعهم بين شقّي الرحى، فان هم قالوا عيسى عبد من عباد الله، حرّكوا ضدهم أضان الملك والأساقفة.. وان هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم...!!

**

وفي الغداة أغذا السير الى مقابلة الملك، وقال له عمرو:

( أيها الملك: انهم ليقولون في عيسى قولا عظيما ).

واضطرب الأساقفة..

واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة..

ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح..

وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة، فجلسوا يتشاورون..

ثم تفقوا على أن يقولوا الحق الذي سمعون من نبيهم عليه الصلاة والسلام، لايحيدون عنه قيد شعرة، وليكن ما يكن..!!

وانعقد الاجتماع من جديد، وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر:

( ماذا تقولون في عيسى )..؟؟

ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال:

( نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه )..

فهتف النجاشي نصدّقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه..

لكنّ صفوف الأساقفة ضجّت بما يسبه النكير..

ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين:

( اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبّكم أو آذاكم، فعليه غرم ما يفعل )..

ثم التفت صوب حاشيته، وقال وسبّابته تشير الى مبعوثي قريش:

( ردّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها...

فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه )...!!

وخرج مبعوثا قريش مخذولين، حيث وليّا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائين اليها...

وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها كما قالوا: ( بخير دار.. مع خير جار..) حتى يأذن الله لهم بالعودة الى رسولهم واخوانهم وديارهم...

**

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين..

وأفعم قلب الرسول عليه الصلاة والسلام بمقدمة غبطة، وسعادة وبشرا..

وعانقه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

« لا أدري بأيهما أنا أسرّ بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر.. ».
وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الى مكة، حيث اعتمروا عمرة القضاء، وعادوا الى المدينة، وقد اكتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من انباء اخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر، وأحد.. وغيرهما من المشاهد والمغازي.. وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقضوا نحبهم شهداء أبرار..

وطار فؤداه شوقا الى الجنة، وأخذ يتحيّن فرصة الشهادة ويترقب لحظتها المجيدة..!!

**

وكانت غزوة مؤتة التي أسلفنا الحديث عنها، تتحرّك راياتها في الأفق متأهبة للزحف، وللمسير..

ورأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر، فامّا أن يحقق فيها نصرا كبيرا لدين الله، واما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله..

وتقدّم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا..

كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة.. بل ولا حربا صغيرة، انما هي حرب لم يخض الاسلام منها من قبل.. حرب مع جيوش امبراطورية عريضة باذخة، تملك من العتاد والأعداد، والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به، ومع هذا طار شوقا اليها، وكان ثالث ثلاثة جعلهم رسول الله قواد الجيش وأمراءه..

وخرج الجيش وخرج جعفر معه..

والتقى الجمعان في يوم رهيب..

وبينما كان من حق جعفر أن تأخذ الرهبة عنده عندما بصر جيش الروم ينتظم مائتي ألف مقاتل، فانه على العكس، أخذته نشوة عارمة اذا احسّ في أنفه المؤمن العزيز، واعتداد البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأندادا..!!

وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة، حتى تلقاها جعفر باليمين ومضى يقاتل بها في اقدام خارق.. اقدام رجل لا يبحث عن النصر، بل عن الشهادة...

وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم، ورأى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل.. وراح يصوب سيفه ويسدده الى نحور أعدائه كنقمة القدر.. ولمح واحدا من األأعداء يقترب من فرسه ليعلو ظهرها، فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس، فبسط نحوها سيفه، وعقرها..!!

وانطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه يدمدم كالاعثار، وصوته يتعالى بهذا الزجر المتوهج:

يا حبّذا الجنة واقترابها طيّبة، وبارد شرابها
والروم روم، قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ اذا لاقيتها ضرابها

وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل، وكانه جيش لجب..:shy:

وأحاطوا به في اصرار مجنون على قتله.. وحوصر بهم حصارا لا منفذ فيه لنجاة..

وضربوا بالسيوف يمينه، وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله.. وضربوها هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه..

في هذه اللحظة تركّزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية رسول الله صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حيّ..

وحين تكّومت جثته الطاهرة، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، ونادت خفقاتها عبدالله بن رواحة فشق الصفوف كالسهم نحوها، واخذها في قوة، ومضى بها الى مصير عظيم..!!

**

وهكذا صنع جعفر لنفسه موتة من أعظم موتات البشر..!!

وهكذا لقي الكبير المتعال، مضمّخا بفدائيته، مدثرا ببطولاته..

وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه الله، وبكى..

وقام الى بيت ابن عمّه، ودعا بأطفاله وبنيه، فشمّمهم، وقبّلهم، وذرفت عيناه..

ثم عاد الى مجلسه، وأصحابه حافون به. ووقف شاعرالاسلام حسّان بن ثابت يرثي جعفر ورفاقه:

غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم الى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغرّ كضوء البدر من آل هاشم أبيّ اذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير موسد لمعترك فيه القنا يتكسّر
فصار مع المستشهدين ثوابه جنان، ومتلف الحدائق أخضر
وكنّا نرى في جعفر من محمد وفاء وأمرا حازما حين يأمر
فما زال في الاسلام من آل هاشم دعائم عز لا يزلن ومفخر

وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل :

وجدا على النفر الذين تتابعوا يوما بمؤتة، أسندوا لم ينقلوا
صلى الاله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للاله نفوسهم حذر الردى، ومخافة أن ينكلوا
اذ يهتدون بجعفر ولواؤه قدّام أولهم، فنعم الأول
حتى تفرّجت الصفوف وجعفر حيث التقى وعث الصفوف مجدّل
فتغير القمر المنير لفقده والشمس قد كسفت، وكادت تأفل

وذهب المساكين جميعهم يبكون أباهم، فقد كان جعفر رضي الله عنه أبا المساكين..:heartbr:

يقول أبو هريرة: ( كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب)...

أجل كان أجود الناس بماله وهو حيّ.. فلما جاء أجله أبى الا أن يكون من أجود الشهداء وأكثرهم بذلا لروحه وحيته..

يقول عبدالله بن عمر:
( كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه، فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين رمية وطعنة"..!!بضع وتسعون طعنة سيف ورمية رمح )..؟؟!!

ومع هذا، فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالا..؟؟

أبدا.. وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد الى جوار الله الأعلى الرحيم، حيث نزل في رحابه مكانا عليّا..

انه هنالك في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح..

وان شئتم، فاسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لقد رأيته في الجنّة.. له جناحان مضرّجان بالدماء.. مصبوغ القوادم »...

نور الحسن
12-06-2008, 09:34 AM
مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو ووووووووووووووووووووووووووووووووووور

wisal
12-22-2008, 08:47 PM
هلا نور الحسن
مشكوررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررررر
مرورك

wisal
12-22-2008, 08:53 PM
هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هشام بن المطلب بن عبد مناف.

الإمام ، عالم العصر ، ناصر الحديث ، فقيه الملة ، أبو عبد الله القرشي المطلبي الشافعي المكي ، الغزي المولد ، نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيلتقي في النسب مع جد الرسول وهو عبد مناف.:heart:

ولد بالشام بغزة ، ومات أبوه إدريس شابا ، فنشا يتيما في حجر أمه فخافت عليه الضيعة فحملته إلى مكة وهو ابن عامين ، فنشأفي مكة وأقبل على الرمي حتى فاق فيها الأقران ، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة ، ثم أقبل على العربية والشعر ، فبرع في ذلك وتقدم.
حبب إليه الفقه :star:، فساد أهل زمانه وارتحل وهو ابن نيف وعشرين سنة إلى المدينة فأخذ عن الإمام مالك بن أنس كتابه الموطأ...
كان حافظاً حفظ الموطأ في تسع ليال وقيل: في ثلاث ليال خرج عن مكة ولزم هذيلاً فتعلم كلامها وكانت أفصح العرب فبقي فيهم مدة راحلاً برحيلهم ونازلاً بنزولهم.

قال: فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب فمر بي رجل من الزبيديين فقال لي: يا أبا عبد الله عز علي أن لا يكون مع هذه الفصاحة والذكاء فقه فتكون قد سدت أهل زمانك؟ فقلت: ومن بقي يقصد؟ فقال لي: هذا مالك سيد المسلمين يومئذ؟ فوقع في قلبي وعدت إلى الموطأ فاستعرته وحفظته في تسع ليال.
وكان مالك يثني على فهمه وحفظه ووصله بهدية جزيلة لما رحل عنه. وكان الشافعي يقول: مالك معلمي وأستاذي ومنه تعلمنا العلم وما أحد أمن علي من مالك وجعلت مالكاً حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
ذكر ثناء العلماء عليه بسعة العلم والفضل وكان صاحب سنة وأثر وفضل مع لسان فصيح طويل وعقل رصين صحيح.
وقال فيه ابن عيينة: هذا أفضل فتيان أهل زمانه وكان ابن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا قال: سلوا هذا يعني الشافعي.
وقال أحمد بن حنبل: ما أحد يحمل محبرة من أصحاب الحديث إلا وللشافعي عليه سنة.
وقال أيضاً - أحمد بن حنبل: كان الشافعي أفقه الناس في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قليل الطلب للحديث وقال: كان الشافعي للعلم كالشمس للدنيا والعافية للناس فانظر هل من هذا عوض؟.
وكان قد جزأ الليل فثلثه الأول يكتب والثاني يصلي والثالث ينام.

ومن حكمه::angelgr:
قال الشافعي: من حفظ القرآن نبل قدره ومن تفقه عظمت قيمته ومن حفظ الحديث قويت حجته ومن حفظ العربية والشعر رق طبعه ومن لم يصن نفسه لم ينفعه العلم.

وقال : إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فما لله ولي

وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: كيف أصبح من يطلبه ثمان: الله بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم بالسنة والحفظة بما ينطق والشيطان بالمعاصي والدهر بصروفه والنفس بشهوتها والعيال بالقوت وملك الموت بقبض روحه؟.

ويذكر أنه لما دخل عليه في مرضه الذي مات فيه سئل : كيف أصبحت ؟
فرفع رأسه وقال : أصبحت من الدنيا راحلا ولإخواني مفارقا ولسوء عملي ملاقيا وعلى الله واردا ، ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت رجائي دون عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منة وتكرمــــــــــا:note:

وتوفي الشافعي رحمه الله تعالى - بمصر.
وذلك ليلة الخميس وقيل ليلة الجمعة سنة أربع ومائتين.
ودفنه بنو عبد الحكم في قبورهم وصلى عليه السري أمير مصر.

قال الربيع – تلميذه-: كنا جلوساً - في موضع - في حلقة الشافعي بعد موته بيسير - فوقف علينا أعرابي فسلم ثم قال: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: توفي رحمه الله فبكى بكاء شديداً وقال: رحمه الله وغفر له كان يفتح ببيانه منغلق الحجة ويسد في خصمه واضح المحجة ويغسل من العار وجوهاً مسودة ويوسع بالرأي أبواباً منسدة ثم انصرف.

wisal
01-16-2009, 02:40 PM
:nerd:

(13 - 94 هـ = 634 - 713 م)
سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد: الإمام العلم و سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة وهم (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي القرشي وعروة، والقاسم، وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، وخارجة بن زيد، وسليمان ابن يسار)

جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع،وكان يعيش من التجارة بالزيت، ولا يأخذ عطاءا.

وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر.

ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة.

رأى عمر، وسمع عثمان، وعليا، وزيد بن ثابت، وأبا موسى، وسعدا، وعائشة وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقا سواهم.
وكان زوج بنت أبي هريرة، وأعلم الناس بحديثه.
قال سعيد بن المسيب ابن حزن أن جده حزنا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما اسمك ؟ قال: حزن،

قال: بل أنت سهل " قال: يا رسول الله، اسم سماني به أبواي وعرفت به في الناس، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

قال سعيد: فمازلنا تعرف الحزونة فينا أهل البيت "

وعن ابن المسيب قال: ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة.

وكان ابن المسيب يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر مني.

وقال: لا تقولوا مصيحف، ولا مسيجد، ما كان لله فهو عظيم حسن جميل.

وعن سعيد أنه كان يستحب أن يسمي ولده بأسماء الانبياء.

قال برد مولى ابن المسيب لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحسن ما يصنع هؤلاء ! قال سعيد: وما يصنعون ؟ قال: يصلي أحدهم الظهر، ثم لا يزال صافا رجليه حتى يصلي العصر.

فقال: ويحك يا برد أما والله ما هي بالعبادة، إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله

وعن ابن أبي وداعة - يعني كثيرا - قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أياما، فلما جئته قال: أين كنت ؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها، ثم قال: هل استحدثت امرأة ؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ قال: أنا.

فقلت: وتفعل ؟ قال: نعم، ثم تحمد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجني على درهمين - أو قال: ثلاثة - فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر فيمن أستدين.

فصليت المغرب، ورجعت إلى منزلي، وكنت وحدي صائما، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزا وزيتا، فإذا بابي يقرع، فقلت: من هذا ؟ فقال: سعيد.
فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت، فإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فأتيك ؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك.

فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب، ورد الباب.

فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكي لا تراه، ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران، فجاؤوني فقالوا: ما شأنك ؟ فأخبرتهم.

ونزلوا إليها، وبلغ أمي، فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثا، ثم تزوجتها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق زوج.

فمكثت شهرا لا آتي سعيد بن المسيب.

ثم أتيته وهو في حلقته، فسلمت، فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض المجلس، فلما لم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان ؟ قلت: خير يا أبا محمد، على ما يحب الصديق، ويكره العدو.

فانصرفت إلى منزلي، فوجه إلي بعشرين ألف درهم.

ذكر مرضه ووفاته:

دخل على سعيد بن المسيب وهو شديد المرض، وهو يصلي الظهر، وهو مستلق يومئ إيماء، فسمع يقرأ بالشمس وضحاها.

شهد سعيد بن المسيب يوم مات سنة أربع وتسعين، فرأي قبره قد رش عليه الماء، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها. توفي بالمدينة .

:rose:

wisal
02-17-2009, 12:40 PM
ابن النفيس ( 687 هـ - 1288 م)
شيخ الأطباء في عصره الإمام ابن النفيس كاشف الدورة الدموية الصغرى في البدن والفقيه والعالم بالأصول المتفنن.
علي بن أبي الحزم القرشي، علاء الدين الملقب بابن النفيس القرشي، أصله من بلدة قرش (بفتح القاف وسكون الراء، في ما وراء النهر)، ومولده في دمشق، ووفاته بمصر.:note:

وكان علاء الدين إماما أوحد في علم الطب لا يضاهى في ذك ولا يدانى استحضارا ولا اسنباطا واشتغل به على كبر وله في الطب التصانيف الفائقة والتوليف الرائقة، صنف كتاب الشامل في الطب وتدل فهرسته على أنه يكون في ثلاث مائة سفر، بيض منها ثمانين سفرا... وألف أيضا كتاب المهذب في الكحل وشرح القانون لابن سينا في عدة أسفار وغير ذلك في الطب ويعد شرحه هذا على كتاب القانون من أفضل الشروح وأوفاها .

وله ايضا : الموجز في الطب كخلاصة لقانون ابن سينا وقد ظل هذا المختصر في المقررات الدراسية في جميع الدول الإسلامية والبلدان الشرقية.
وقد وفق الشيخ الفقيه الطبيب ابن النفيس من خلال تجاربه وممارسته للعلاج الطبي إلى اكتشاف:angelgr: الدورة الدموية الصغرى المعروفة بالدورة الدموية الرئوية مخالفا في ذلك آراء جالينوس ومن تبعه من الأطباء وذلك عند وصفهم لوظيفة القلب والرئتين وشرحهم كيفية أداء هذه الأعضاء لوظيفتها داخل الجسم الإنساني.

وكان العلاء بن النفيس إذا أراد التصنيف، توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره ويكتب مثل السيل إذا انحدر فإذا كل القلم وحفي رمى به وتناول غيره لئلا يضيع عليه الزمان في بري القلم وكان يكتب من صدره من غير مراجعة حالة التصيف.

ويذكر عنه: :star:

أنه مرة دخل الشيخ علاء الدين إلى الحمام التي في باب الزهومة، فلما كان في بعض تغسيله خرج إلى مسلخ الحمام – موضع نزع الثياب وخلعها – واستدعى بدواة وقلم ورق وأخذ في تصنيف مقالة في النبض إلى أن أنهاها ثم عاد ودخل الحمام وكمل تغسيله وكان شيخا طويلا أسيل الخدين نحيفا ذا مروءة، وكان لا يحجب نفسه عن الإفادة ليلا ولا نهارا، وكان يحضر مجلسه في داره جماعة من الأمراء وأكابرالأطباء ويجلس الناس عى طبقاتهم وعليه تخرج الأطباء بمصر والقاهرة

وكان قد ابتنى دارا بالقاهرة وفرشها بالرخام حتى إيوانها، وفي علته التي توفي فيها، أشار عليه بعض أصدقائه الأطباء بتناول شيء من الخمر إذكانت علته تناسب أن يتداوى بها على ما زعموا فأبى أن يتناول شيئا من ذلك وقال : لا ألقى الله سبحانه وفي بطني شيء من الخمر ولم يكن متزوجا، ووقف داره وكتبه وأموله على البيمارستان المصوري.

وبالجملة كان إماما عظيما وكان كثير من الأفاضل يقول : هو ابن سينا الثاني له كتب كثيرة، منها " الموجز " في الطب، اختصر به قانون ابن سينا، و " بغيه الطالبين وحجة المتطببين " و " شرح الهداية لابن سينا " في المنطق، و " الهذب " في الكحل، و " الشامل " في الطب، كبير جدا.
وكانت طريقته في التأليف أن يكتب من حفظه وتجاربه ومشاهداته ومستنبطاته، وقل أن يراجع أو ينقل.

وخلف مالا كثيرا، ووقف كتبه وأملاكه على البيمارستان المنصوري بالقاهرة.

ومات في نحو الثمانين من عمره.

انا مصر و مصر انا
02-27-2010, 01:05 PM
موضوع مميز أختي :- وصال
جزاك الله خيرا

http://vb.arabseyes.com/uploaded/24878_1189177374.gif

wisal
03-04-2010, 09:48 PM
جزاك الله خيرا على المرور

wisal
03-30-2010, 10:21 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخترت لكم اليوم الحديث عن

ابن عساكر:flower:

الشيخ الامام العالم القدوة المفتي شيخ الشافعية فخر الدين أبو منصور عبد الرحمان بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الدمشقي الشافعي.

ولد سنة خمسين وخمس مئة.:brb:

وتفقه بالقطب النيسابوري، وتزوج بابنته، وجاءه ولد منها سماه مسعودا مات شابا.

درس بالجاروخية، ثم بالصلاحية بالقدس، وبالتقوية بدمشق، فكان يقيم بالقدس أشهرا، وبدمشق أشهرا، وكان عنده بالتقوية فضلاء البلد.

وكان فخر الدين لا يمل الشخص من النظر إليه لحسن سمته، ونور وجهه، ولطفه واقتصاده في ملبسه، وكان لا يفتر من الذكر، وكان يسمع الحديث تحت النسر ( أي قبة النسر من جامع دمشق الأموي ).

قال أبو شامة : أخذت عنه مسائل، وبعث إليه المعظم ليوليه القضاء فأبى، وطلبه ليلا فجاءه فتلقاه وأجلسه إلى جنبه، فأحضر الطعام فامتنع، وألح عليه في القضاء، فقال: أستخير الله، فأخبرني من كان معه، قال: ورجع .ودخل بيته الصغير عند محراب الصحابة، وكان أكثر النهار فيه، فلما أصبح أتوه فأصر على الامتناع:moved:، وأشار بابن الحرستاني فولي

كان زاهدا، عابدا، ورعا، منقطعا إلى العلم والعبادة، حسن الأخلاق، قليل الرغبة في الدنيا، توفي في عاشر رجب سنة عشرين وست مئة، وقل من تخلف عن جنازته.

وقال أبو شامة : أخبرني من حضره قال: صلى الظهر، وجعل يسأل عن العصر، وتوضأ ثم تشهد وهو جالس، وقال: رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، لقنني الله حجتي وأقالني عثرتي ورحم غربتي ثم قال: وعليكم السلام، فعلمنا أنه حضرت الملائكة، ثم انقلب ميتا.

كان زاهدا، ثقة، متجهدا، غزير الدمعة، حسن الأخلاق، كثير التواضع، قليل التعصب، سلك طريق أهل اليقين، وكان أكثر أوقاته في بيته في الجامع ينشر العلم، وكان مطرح الكلف، عرضت عليه مناصب فتركها، ولد في رجب وعاش سبعين سنة، وكان الجمع لا ينحصر كثرة في جنازته.

حدث بمكة، ودمشق، والقدس، وصنف عدة مصنفات.
:rose: