المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أفضل سنة في عمرك الأن ! حدد حياتك


diamond
10-11-2006, 10:31 PM
أفضل سنة في عمرك الآن ! جدد حياتك



المصدر: راصد

دأبت بعض دور النشر مشكورة، على ترجمة كثير من الكتب في العلوم الإنسانية، والاجتماعية، والحق أن هذه الكتب، فيها الغث، والسمين، وفيها ما يتفق وقيمنا الإسلامية الأصلية، وما قد يتعارض معها، ولقد كانت محاولة فضيلة الشيخ محمد الغزالي لإعادة صياغة كتاب "دع القلق وأبدأ الحياة " لدليل كارنيجي في كتاب أسماه "جدد حياتك" محاولة رائدة ورائعة لعرض الكتاب من منظور إسلامي، بأمثلة إسلامية، واستشهادات إسلامية.

وهذا في رأيي لا يقلل من شأن الكتاب، بل يقويه، ويمده بأصل عظيم، لم تمتد إليه يد تحريف، ولا تبديل، ويكفي أن "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها، فهو أحق الناس بها" والمقال الذي بين أيدينا محاولة متواضعة؛ لعرض كتابٍ، أرى أن قراءته في مطلع العام الجديد قد تفيد، خاصة أني اجتهدت أن يكون التناول من منظور إسلامي، حرصت قدر الإمكان أن يخرج في ثوب بعيد عن الإطناب الممل، أو الإيجاز المخل، والكتاب هو " أفضل سنة في عمرك الآن "..عشرة أسئلة لجعل الإثنى عشر شهراً القادمة أنجح شهور عملك..للكاتبة جيني إس ديتزلر-مكتبة جرير.

والحق أن الإنسان يرتاع حين يرى أيامه تنصرم، وقطار عمره يمضي سريعاً، ولما يحقق ما كان يصبوا إليه، أو يتمناه، ويود لو يقبض بيده على عجلة الزمان؛ ليرُجع دفتها، أو يوقف سيرها على الأقل، حتى يسترد بعض أنفاسه، ولكن هيهات، فالأيام تمضي، وإن توقفنا، أو رجعنا، وما أنت يا ابن آدم إلا أيام، كلما مضى منك يوم، فقد مضى بعضك، ولذلك تبدأ المؤلفة الكتاب بأن تطلب من القارئ أن يجلس مع نفسه ثلاث ساعات، يقضيها في التأمل في عامة المنصرم.

ولكي يستعد لعامه المقبل، بكفاءة تنقله من التفكير إلى العمل، وأظن أن طلب المؤلفة هذا يتمشى مع الأديان، ففي صحف موسى "وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله، أن يكون له ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفرغ فيها لمعاشة " وفي الأثر تعالوا بنا نؤمن ساعة، وفي الآية  َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] 

ثم تعرض المؤلفة قائمة بالأعذار، التي ينتحلها الجنس البشري؛ للتوقف عن التغيير، وهي قائمة طويلة، تختلف باختلاف الأجناس، وتتفق في أثرها السلبي في عملية التغيير.. " لقد مللت من المحاولة " " لا أستطيع " " إن الشيء إذا أصبح سيئاً لا يمكنك تغييره " " لقد تجاوزت وقت الفعل والعطاء منذ زمن طويل، أواه، إن التعليم في الكبر كالنقش على الماء " .

هل تحب أن تكتسب العضوية في هذا النادي " نادي المعذرين " ومعاذ الله فالمعذرون كلمة في القرآن، استعملت لطائفة لم تجد ما تجاهد عليه، فجاءت تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحملها، فاعتذر قائلاً " لا أجد ما أحملكم عليه " فتولوا من عنده صلى الله عليه وسلم " وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون "..

إنني لا أتحدث عن المعذرين بهذا المفهوم، ولكن سمات أعضاء هذا النادي، الذي لا ينضم إليه إلا المنتحلين للأعذار، فدائماً هناك عذر للفشل، وتبرير للإخفاق " طاقتي محدودة " رأيي غير مسموع " "لا يمكن أن أغير الواقع" "لا أستطيع مقاومة التيار" "أخاف الإحراج" "أنا عبد المأمور " وتضرب الكاتبة مثالاً صارخاً لعذر، يكثر أعضاء هذا النادي من استعماله، وهو أن يلعب دور الضحية..ضحية الظروف..ضحية المؤامرة، فهناك دائماً شخص ما، أو شيء ما، لكي يلام..

والحق أن لعب دور الضحية هو حجة المتنصلين من المسؤولية، هل تعرف أول من استعمل دور الضحية، إنه إبليس اللعين، فآدم وزوجه لما وقعا في المعصية، رجعا باللوم على أنفسهما وقالا " قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23]" أما إبليس، فلعب دور الضحية المظلوم، الذي أمر أن يسجد لمن هو أقل منه رتبة، فتربص للانتقام من آدم وذريته " قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً [الإسراء:62] .

وبنو إسرائيل قاتلهم الله، لعبوا دور الضحية، حينما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن رسوله من الملائكة، فقال جبريل، فقالوا : " ذاك عدونا من الملائكة" فكأنهم - قاتلهم الله- ضحية اختيار خاطئ لأمين السماء، إلى أمين الأرض، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً.

بل إن رأس المنافقين "عبد الله بن أبي بن سلول" لعب دور الضحية معتقداً أن رسول الله قد سلبه ملكه، فقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنهم ليعتقدون له الخرز، ليتوجوه ملكاً، قبل أن يهديهم الله بالإسلام..ألا ترى عزيزي القارئ أن الأفضل من دور الضحية هو أن تستبدل نقطة ضعفك بقدرة أخرى تزيدك قوة؟، أنظر إلى ابن عباس، وقد عمي بصره، لم يجلس يندب حظه العاثر ولكنه نطق مقولة التحدي، وصرخ صرخة الرضا الداخلي:



إن يسلب الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي زكـي وعقلـي غيـر دخل وفي فمي صارم كالسيف مسلول

حسناً: والآن هل أنت مستعد لهذه الأسئلة العشرة، وللانتقال من مجرد التفكير إلى العمل الجاد..إذن انطلق، وليكن شعارك:

"استعن بالله ولا تعجز"

1- السؤال الأول ..ماذا أنجزت في العام الماضي؟!.." أنا لم أنجز شيئا يستحق الذكر" لا تتسرع أخي، فهناك دائماً مكان على القمة، ولعلك سمعت بهذا المثل: أنظر إلى نصف الكوب الممتلئ ..نعم، أحص مرات نجاحك، ولا تهون من إنجازاتك..ألم تتخرج، أو تتأهل للتخرج في هذا العام؟..ألم تتزوج ؟..ألم تنجب طفلاً ؟..ألم يحظ واحد من أفراد أسرتك بفضل مساعدتك ؟..ألم يحفظ ولدك بعض سور القرآن هذا العام؟..ألم تحظ بكلمة تقدير من أحد رؤسائك ؟..ألم تظل على مبدئك رغم تلبُّك الظروف حولك؟..لقد أنجزت شيئاً ...لا تذم نفسك..وتتعجب الكاتبة -وهي محقة- من أن بعض المربين، يحرصون أن يغرسوا فينا -منذ نعومة أظفارنا- عقدة الذنب، وكيف ننتقد أنفسنا بقسوة، على تقاعسنا عن فعل بعض ما كلفنا به..وبالطبع، فإنني حين أوافق على ذلك فإنني في المقابل، لا أزكي الاتجاه، الذي يجعلنا نمضي في الطريق، منتفخي الصدر، بحجة أننا الأفضل"..نريد فقط كلمة الاستحسان عند الإحسان، وكلمة التقويم البنّاءة عند الخطأ، ..نريد الوسطية التي تقوُّم وتوّجه..بمثل "إنك غلام معلم" قالها صلى الله عليه وسلم لابن مسعود مشجعًا، ومثل .." يا غلام..سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" قالها لمن طاشت يده في الصحفة..وعموماً مطلوب منك أن تنسى روح التأنيب هذه، وتتذكر إنجازاتك..لقد قمت بتطبيق هذا السؤال على نفسي، وقد أجمع كل من حولي أنني أمر بأصعب ظروف في حياتي، ورغم ذلك، فقد وجدتني أنجزت بعض النجاح..فقد طبقت نظاماً غذائياً صارماً في شهر رمضان، فقدت فيه عشرة كيلو جرامات، واعتكفت العشر الأواخر في الحرمين، بعد عمرة، أرجو أن تكون مقبولة ..ووقفت وقفة حق، تؤكد ثباتي على مبدئي إذن فهناك بعض الإنجاز..ولقد ذكّرت بعض النساء المشتركات في برنامج الكاتبة لتغيير نقاط إنجاز لطيفة وواقعية، وفيها عزاء لربات بيوتنا المطحونات في طاحونة الحياة، دون كلمة شكر..تقول:..لقد طهوت مائتي وجبة عشاء لأسرتي..وفي هذا العام لم أزد وزناً ..وكنت أكثر إيجابية مع الصغار.. كما أنني لم أمر بنوبة غضب عندما أُلغيت عطلتنا .. وقد قرأت عشر روايات، وخمسة كتب واقعية عالية المستوى، وتعلمت أيضاً الطبع على الآلة الكاتبة، أرأيت عزيزي القارىء كم هو سهل أن تكتب إنجازاتك؟..حسناً، كف عن القراءة الآن، واجلس مع نفسك واكتب اثني عشر إنجازاً، بعدد شهور السنة ..مهما كانت بساطتها.

2- السؤال الثاني.. ماذا كانت أكبر الأشياء مخيبة لآمالي؟!.. " أواه، كثير، هي.. " ..لا تكن متشائماً، فالهدف أن تتعلم الكثير عن نفسك بإيجابيتها، وسلبيتها، لكي تعرف كيف تنمي الإيجابيات، وتعالج السلبيات، فكما قال جيمس جويس " الأخطاء هي مداخل الاكتشاف" وقال سحنون: من تفرّس في نفسه فعرفها، صحّت له الفراسة في غيره، وأحكمها ".

ونحن لا نقصد أن نحقق الفراسة في غيرنا، بل نريد أن نفهم أنفسنا، فهيا أخي، أجب عن هذه الأسئلة..ما الأحلام التي لم تتحقق ؟،..ما الآمال التي لم تُنْجَز؟..هل تعهدت بأن تخلص نفسك من الدين، أم هل تستدين المزيد ؟ ..هل أردت أن توفر وقتًا للجلوس مع زوجك، وأبنائك، فلم تستطع ؟..هل تبت من ذنب، ثم عدت فيه؟..إن مصارحة نفسك بالحقيقة تنير لك الطريق، وتخلصك من حملك الزائد.. نعم، إن النفس البشرية لا تستطيع أن تتخلص من الانفعالات السلبية، مثل: الغضب، والاستياء، والندم، والحزن بسهولة، بل تظل عبئًا ثقيلاً، وحملاً زائدًا، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نضعه عن كاهلنا، فقال : " المؤمن القوي، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا، وكذا، ولكن قل، قدر الله وما شاء فعل، فإن لو، تفتح عمل الشيطان".رواه مسلم.... نعم إن اجترار الأحزان لن يفيدك، فما حدث قد حدث.

أفنيت يا مسكين عمرك في التأوه والحزن

وقعدت مكتوف اليدين تقول حاربني الزمن

ما لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن

لن يفيدك خمش وجهك، ولا ندب حظك، والأفضل أن تتعامل مع إخفاقات الماضي بثلاث إيجابيات : (سامح – انس – تعلم).. ضع هذه الثلاثة حلقة في أذنك، ولا أقصد بالمسامحة أن تسامح الغير، ولا أن تعفو عن زلاتهم، أو تلتمس لهم العذر فحسب، فهذه المسامحة ضرورة تقتضيها راحة أعصابك، ونقاوة صدرك، التي لا وقت عندها لترف الحقد، وشهوة الانتقام، ولكني أقصد مسامحة نفسك... نعم أخي آن الأوان لتُنحي هذا السوط، الذي تجلد به نفسك جانبًا، وترحم نفسك.

قد تقول أن الله أقسم بالنفس اللوامة، ومدحها في القرآن..نعم، لكن هذه ليست نفس لوامة، إنها جلاد، يسير خلفك، لا يذكرك إلا بالفشل، والإخفاق، واليأس...ألم يخرج الله النفس القانطة الآيسة من رحمته؟..فسامح، وانس، وأعني به أن تنظر أمامك " ولتنظر نفس ما قدمت لغد "، ولا تبك على اللبن المراق، ولا تلم نفسك عليه، وكن مثل كعب بن مالك في قمة ضيقه، وكربه، يتسور حائطًا على قريب له، فيمتنع من كلامه، فيقول له " أنشدك بالله، أتعلم أني أحب الله ورسوله ؟ " .

إن أفضل طريقة للتعامل مع الماضي أن تتعلم منه، يقول وليام سارويان : " الأشخاص الصالحون يكونون صالحين؛ لأنهم قد بلغوا الحكمة من الإخفاق " ... لقد استقصيت إخفاقاتي لهذا العام الذاهب، فوجدت أنني أخطأت في بديهيات، كنت أعلمها لتلاميذتي، كنت أقول لهم :" إنه من السذاجة أن تعمل نفس الشيء بنفش الطريقة، ثم تتوقع نتائج مختلفة " ومع ذلك لم أستطع أن أستفيد من هذه القاعدة، التي طالما استدللت بها لقد اكتشفت أن نجاحي في أن أكون الأول على الجمهورية، أو أن أحصل على الزمالة البريطانية الطبية، لم يشفعا لي لكي أكون مديرًا ناجحًًا، فالتفوق الدراسي شيء، والإدارة شيء آخر، ومع ذلك فما زلت أقول إن الإخفاق أمر نسبي، استمع إجابة إحدى السيدات عن هذا السؤال ...لقد كانت أكبر إخفاقاتي لهذا العام، هو أنني فقدت 15 جنيه – وتوفي والدي (مسكينة كان المفروض أن تمنعه ) – لم أحصل على زيادة في راتبي مع أني أستحق، ولم أقم بالبحث عن وظيفة أخرى– انضممت للجمنازيوم وذهبت سبع مرات فقط... وأقول: أخي القارئ إن إجابة هذا السؤال تقوى فيك عزيمة الانتقال إلى

3 – السؤال الثالث ... ماذا تعلمت ؟..ما الدروس المستفادة، التي يجب أن أحولها إلى إرشادات عملية لنفسي.. إنك الآن في مرحلة تكوين قاعدة بيانات عن نفسك، أبعد الضباب عن ذهنك، وأجب عن هذه الأسئلة :

ماذا كان سر نجاحي أو إخفاقي ؟ هل استفدت منهما ؟ وهل هناك دليل على ذلك؟ كيف أؤدي الأمور بشكل مختلف؟ إن القرآن الكريم مليء بهذا النمط من المعالجة للأخطاء، ببيان العبرة منها:" فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:153]" .. تعليم .. " وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران:155]" .. مسامحة .. والآن حول الدرس الذي تعلمته، إلى إرشادات .. إلى واجبات عملية ..فكر فيما كنت ستقوله لغيرك، لو أنه فعل ما فعلت" آه لو كانت آذاننا تستمع لما تقوله شفاهنا " أو بمعنى آخر " إن المعرفة في داخلنا، وما علينا إلا أن نفكر في النصائح، التي نسديها للآخرين، ثم نتواضع حتى نرى ما إذا كنا نتبعها أم لا، إننا في حاجة لأن ندنو من أنفسنا قليلاً؛ لنتعرف إليها عن قريب، فلنجب على هذا السؤال.

4 – السؤال الرابع .. كيف أضع حدودًا لنفسي؟.. وكيف أتوقف؟.. والأصح أن يكون السؤال كيف أحدد ملامح نفسي، أو بعبارة أخرى كيف أتعرف إلى ذاتي ؟..طويلة هي الفترة التي قضيناها في قطار الحياة، ولكن قصيرة الفترة التي اقتربنا فيها من أنفسنا؛ لنتعرف إليها معرفة حقيقية، ما هي الذات؟.. من أكون حقيقة، لا حدًا مصطنعا ؟ .. هل نقيم حول أنفسنا سياجًا من ردود أفعال تحجب ذواتنا الحقيقة ؟.. لكي نجيب على هذا السؤال الصعب، سأتحدث عن صديق مات أبوه، منذ زمن بعيد، ولكن صديقي حين اقترب من نفسه، ونظر إليها عن قرب، وبصدق، وجد أن أباه لم يمت، وأنه ظل يعيش في داخله طوال سني المعاناة التي عاشها في عمره، تبدأ قصة صاحبنا بموقف تعرض له وهو صغير، اتهم ظلمًا بأمر لم يفعله، وهو يقسم للآن، رغم مرور عقود كثيرة عليه، أنه لم يفعل ذلك، وقد بادر والده وقتها، وعاقبه عقابًا مؤلمًا بالحبس والضرب، دون أن يتبين، ولا زال صاحبنا يذكر مرارة التهمة ظلمًا، وقد اتخذ بعدها دون أن يشعر طبعًا موقفًا، وسلوكًا دفاعيًا، سيطر على بقية حياته، فهو دائمًا متهم، ومهمته أن يبرئ نفسه أولاً.. وما أكثر ما توارى محبوسًا ( آسف أعني مكبوتًا)، حين يتوهم أن أحد الجالسين قد نظر إليه نظرة ريبة، أو شك، أو حين يلمح أحد في نقاش إليه بلوم، أو انتقاص، وحينما قرر أن يكتشف نفسه، سرعان ما اكتشف صاحبنا أنه لا زال حبيسًا في الغرفة التي عاقبه فيها والده، وأن عصا والده قد صحبته في رحلة حياته الطويلة، وأنه قد أحاط نفسه بسياج من الشك في الآخرين، وموقفه الدفاعي الجاهز للانفجار دائمًا في وجوه المتعاملين معه.. أنا مظلوم .. أنا ضحية.. وهذا المثال لا يعني بالضرورة أن كل واحد من القراء، لديه عقدة طفولية، قديمة، لا بد لمحلل نفسي أن يغوص في أعماق نفسه ليكتشفها، ولكن قد تستغرب، إذا قلت لك إن مثل ذلك كثير.. لابد أنك عزيزي القارئ سمعت في علم النفس عن الوسائل الدفاعية، أو ردود الأفعال، أو التعويض المغالى فيه، ولكي تتعرف نفسك أكثر، حاول ببساطة الصلة بين أفكارك التي تحدد مجالات حياتك.. ويستعمل بعض المحللين تعبير" البيضة المقلية " لتصوير قطاع مستعرض للنفس، حيث تكون محتوى النفس ثلاث دوائر، مركزها واحد:

دائرة صغيرة في الداخل، تمثل من أكون؟، ودائرة أكبر منها، مشتركة معها في المركز، تمثل، من أخاف أن أكونه ؟ ( القلق – الشك – الدفاع )، ودائرة ثالثة أكبر من الاثنتين ومشتركة معهما في المركز، تمثل بمن أتشبه؟ ( التظاهر – السلوك – التصرف الذي يتنافى تمامًا مع حقيقة النفس).

والدوائر كلها تشترك في مركز واحد، ومن هنا جاء تعبير" البيضة المقلية"، حيث يكون الصفار في المركز، ثم البياض، ثم الزيت، والآن مهمتك أن تنقل نفسك إلى الدائرة الحقيقة، التي تمثل نفسك.. من أكون، لتنتقل إلى طاقتك، وقوتك الحقيقيتين... ولهذا طرحت الكاتبة السؤال: كيف يمكنني التوقف؟.. أي حيال السلوكيات الخاطئة، كالانهزام، أو أساليب الدفاع المغالى فيها، إن سعادتنا، وتعاستنا في الحياة، لا تتوقف بنسبة كبيرة على ما يحدث لنا، ولكن على ردود أفعالنا تجاه ما يحدث لنا، ولماذا ردود الأفعال الخاطئة، إن مصعب بن عمير لم تظل عقدة أمه التي حبسته، وآذته حتى ينصرف عن دينه، أقول: لم تظل ماثلة بين عينيه، تحرك حياته، بل تجاوزها إلى ما هو أعظم، وأكبر، فلا وقت عنده لهذا الترف، فعنده مهمة السفارة عن دولة الإسلام الوليدة، وإبراهيم عليه السلام لم تظل عقدة أبيه، الذي تخلى عنه، وتركه يُلقى في النار، ماثلة بين عينيه، بل تخطاها لمهمة قيادة موكب الأنبياء.. لا توجد كيمياء حيوية، تتعدى الوعي، إن كل خلية في جسمك على علم بأسلوب تفكيرك، وما أن تتقبل هذه الحقيقة، سيسقط وهم كونك ضحية جسم غير عاقل يهدمك بشكل عشوائي، أظن أنه قد آن الأوان، لكي تجيب على هذا السؤال

5- ما قيمي الشخصية ؟.. ما منظوري الحقيقي؟ حينما تصبح أكثر إدراكًا لقيمك الشخصية، تستطيع أن تقترب من نفسك أكثر.. على سبيل المثال لماذا اخترت هذا المقال؟ عن أي شيء تبحث؟ ما الذي يخرجك في الصباح؟ ولماذا نذهب بعيدًا، ونحن مسلمون، نعلم أهمية النية في كل عمل، ما نيتك؟

.. لقد سألت ديتزلر بعض الأشخاص عما يريدون ( عملاً بالمثل القائل، قل ماذا تطلب؟ أقول لك، من أنت؟) فأجابوا: ترقية – سيارة جديدة – زوج، زوجة – إلخ..... وتتساءل – وحق لها – لكن هناك شيء ما، وراء هذه المطالب؟

كأنك يا جيمي ( الكتبة ) قرأت كلمات الإمام حسن البنا، وهو يستقرئ مطالب معظم آحاد الأمة في عصره، تمهيدًا لعنوان رائع " الغاية أصل والأعمال فرع لها" فيقول " كل همهم لقمة لينة، ومركب فاره، وامرأة وضيئة، وحلة جميلة، ونومة مريحة، ومظهر كاذب، ولقب أجوف ".. إن ميزة النظرية الإسلامية أنها أجابت على هذا السؤال، ليس بطريقة مبدأ اللذة، الذي يحرك كل نوازع الإنسان في رأيهم، ولا بالطريقة الفرويدية التي ترجع كل نوازع المخلوقات إلى الإشباع الجنسي، ولا البرجماتية، ولا نظرية الواجب، لكانت، ولكنها ببساطة التي تقوم على الطمأنينة، والرضا الداخلي، التصالح مع الروح، لا التصارع، إنه الباعث الذي يجعل الإمام بن تيمية، وهو في سجن القلعة يعلنها: ماذا يفعل أعدائي بي، أنا جنتي في صدري، وبستاني في قلبي.. إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة.. إنه السر الذي يجعل الشيخ عمر التلمساني يجيب على من تعجب منه، ومن إخوانه، لملامح السعادة التي تعلو، وهم تحت وطأة الحبس فيقول بلسان الرضا: ذلك أن الله اشترى منا فبعنا البيع الرابح " إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]

" آن الأوان لتتحول عن الدوافع الخفية، السلبية والمدمرة أحيانًا، ( كشعور الاستياء، واليأس، وسوف أجعلهم يندمون )، لكي تكون لكل صاحب غاية عظيمة، تتمني أن يذكرك بها الناس إذا مت، أتعرف أن إحدى طرق تزكية النفس هي أن تفكر كيف تريد أن تكون ذكراك:



دقات قلـب المـرء قائلة لـه إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرهـا فالذكر للإنسان عمر ثاني

ولكن ربما ما زال في العمر بقية لتجيب على السؤال

6- السؤال السادس ... أي دور أحب أن أقوم به في حياتي؟..إن هذا السؤال يضعك على مقعد القيادة..إن الربيع بن خثيم، كان قد حفر في بيته قبرًا، يرقد فيه كل يوم زمنًا، يتخيل فيه نفسه وقد قامت قيامته، ونوقش الحساب، فلم يجد ما يعتذر به سوى أن يقول : " رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ " ثم يستيقظ من تأمله، ويقول لنفسه : يا ربيع إنك في الرجعة .. لقد قرر هذا الزاهد أن يعيش في الدنيا دور الممهل المنظر، الذي أعطى فرصة؛ ليصحح نفسه..

ومن الكلمات المنقولة عن البابا جون الثالث والعشرين: غالبًا ما يحدث أن استيقظ أثناء الليل، وأبدأ في التفكير في مشكلة خطيرة، وأقرر أنه لابد أن أخبر البابا بها، ثم أتذكر أنني البابا...أحيان تنسينا الأمور الجسام، الدور الذي يجب علينا أن نلعبه، إن امرأة مات عنها زوجها، يخطئ أحد أبنائها فتقول في نفسها ناسية :سأخبر أباه حينما يعود – ولكن الأب لن يرجع

لقد نسيت المسكينة أنها الآن تقوم بدور الأب، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " .. إن مسرح الحياة يحتاج منك أن تتقن عدة أدوار، قد تعيشها كلها في وقت واحد: دور المدير للبيت أو الشركة، دور الأب الحاني أو الأم الحانية، وأحيانًا الاثنين معًا

دور الزوج / الزوجة المحبة، دور المربي، دور الجندي، ولا تظن أن هذه الأدوار تتعارض، لقد أزال الإمام المصلح هذا التعارض الظاهري، فقال في كلمات رائعة تحت عنوان " فكرة الإخوان المسلمين تضم كل معاني الإصلاحية " قال : ومن هنا كان كثير من مظاهر أعمال الإخوان، يبدو أمام الناس متناقضًا، وما هو بمتناقض، فقد يرى الناس الأخ المسلم في المحراب خاشعًا، متبتلاً، يبكي ويتذلل، وبعد قليل يكون هو بعينه واعظًا، يقرع الآذان بزواجر الوعظ، وبعد قليل، تراه نفسه رياضيًا، أنيقًا، يرمي بالكرة، أو يتدرب على العدو، أو يمارس السباحة، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره، أو معمله، يزاول عمله في أمانة و إخلاص..وإذا كان اجتماع الأدوار مقبلاً فإن عكسها، أو قلبها، غير مقبول، فلا تلعب دور المدير وسط مديريك، ولا دور المتدرب وسط مرؤسيك، إلا إذا كان جزءًا من تخطيط مؤقت، وكذلك إن كنت طبيبًا بين الأدباء، ولا دور الأديب بين الأطباء، لقد اكتشفت في رحلة حياتي، بعد عملي بالتدريس فترة طويلة، أنني أخلط بين دور المدرس، وبين دور الأب، أحيانًا، كنت حريصًا أن يحفظ ابني القرآن، مثل أختيه، فقمت معه بدور المدرس، لا دور الوالد أحبه حبًا مشروطًا، إلى أن أعلنها لي في صراحة، بل وحكمة: لا تجبرني أن أعيش في جلبابك، اتركني أختر الدور الذي أحب أن أحياه، واطمئن فسأكون على الاستقامة والجادة.. وهو حياتنا متشعبة ومليئة بالتفاصيل والأدوار المطلوبة كثيرة.. وأقول، هون عليك.. هون عليك.. انتقل إلى السؤال التالي تسترح

7- السؤال السابع ... على أي دور أركز في السنة القادمة ؟ .. تخيل أنك في طائرة تحلق فوق حياتك، على أي دور تحب أن تنزل بطائرتك ؟.. تخيل كل دور في حياتك نقطة على محيط دائرة: رب أسرة- مدرب لأبنائك - كاتب -عضو في أسرة – صديق لابنك أو ابنتك المراهقين – ابن لوالدين أو أحدهما – عضو في مجتمع الجيران على أي منطقة تحب أن تقتحم ؟... محتار .. حسنًا أعط نفسك درجات في كل دور، ثم اهبط على نقطة ضعفك، ثم انتقل بسرعة إلى السؤال التالي، قبل أن تفقد حماسك وهو أكثر تحديدًا

8- السؤال الثامن..ما أهدافي لكل دور؟...وبعبارة أدق، في أي منطقة من دوري أهبط؟.. هب أنك اخترت دور الطبيب لصحتك المتدهورة.. لقد اكتشفت أنت أن أكبر مشكلتين في يدك التدخين والبدانة، ركز على هدفين عمليين مثلاً لكل منهما سأمتنع عن التدخين أمام أبنائي،( لا تنس وأنت تلعب الدور أنك أب حاني)، وفي الأماكن العامة، وسأقلل من عدد السجائر في الثلاثة أشهر الأولى، إلى كذا، لكي أحقق الهدف الأول، وسوف أتناول

1200 سعر حراري يوميًا، و20% على الأكثر من السعرات، الدهون، وسوف أجرى نصف ساعة، ثلاث مرات أسبوعيًا، لأتخلص من 4 أرطال

كل ثلاثة شهور..بقى أن تنتقل إلى التالي

9- السؤال التاسع..ما أهم عشرة أهداف للسنة القادمة كلها ؟... مسترشدًا

بإجاباتك للأسئلة السابقة، اكتب ورق تحتوي على الإرشادات التي أعطيتها لنفسك من خلال نقاط نجاحك، وإخفاقك، ثم قيمك ومنظور شخصيتك (تفاءل )، ثم الأدوار التي ستقوم بها، والدور الذي ستركز عليه أكثر، ثم الأهداف العشرة التي تخدم في المقام الأول هدف التركيز، بقى أهم سؤال انتقل إليه الآن

10- السؤال العاشر...كيف أتأكد أنني حققت الأهداف العشرة..والحق أن الكاتبة قد فطنت إلى أمر كثر فينا من يغفله، إن القراءة تظل متعة نظرية فكرية، لا تخرج إلى دائرة التطبيق، إلا إذا وجد الحافز، وأقوى الحوافز الجماعة، فيد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية أن الكاتبة تقترح نظامًا جماعيًا أسمتهE/S/P ويمكن ترجمته إلى العربية خ/د/م وترمز الـ E أو الـ خ إلى العوامل الخارجية External factor وهي قائمة الأهداف، التي تتوجه إليها النفس؛ لتحقيقها، وحرفs أو ( د) يرمز إلى support أو الدعم، والمساندة، وهو التعاون مع أحد المدربين، أو الزملاء؛ لتكوين فريق عمل، أو ورشة عمل، يكتب فيها كل فرد ملخص الخطة ببساطة:

إرشادات من منظور نفسي، ومنظور نجاحاتي وإخفاقاتي، ثم الأهداف العشرة، وأخيرًا النفس ومحتواها parading ومعناها منظور، أو معلم أي نظرتك الجديدة لنفسك، التي انتقلت من الانهزامية إلى المحاولة، ومن اليأس إلى الأمل، مؤمنة بقدراتها، وطاقاتها.

وأخيرًا أقول: إن بعض الناس قد يدوم حماسهم30 دقيقة، وآخرون يدوم حماسهم ثلاثين يومًا، ولكن هؤلاء الذين يدوم حماسهم 30 سنة، هم الذين يحققون النجاح في حياتهم.

وأختم هذه الجولة للعام الجديد بكلمات رائعة للدكتور طارق سويدان : إنني أفتش عن إنسان ذي مواصفات عالية، وهمة عظيمة..في ظلمة الحياة وازدياد الصراع بين الحق والباطل، أبحث عن هذا الإنسان الذي يعيد الحياة إلى قلبي، ويبث بذرة الأمل في نفسي.. هو عملاق وسط أقزام، وحقيقة بين أوهام، وكوكب يضيء بين شموع.. أعطوني هذا الإنسان وخذوا كل ما أملك.. أظنني لا أتكلم عن خيال، أو وهم، أيها الإنسان القابع بين صفحات الكون.. أين أنت؟ وفي أي أرض أجدك؟ وكيف السبيل إلى لقياك؟.. وإلى أن ألقاك، سلام على كل ذي همة عالية يوم ولد، ويوم يؤوب إلى ربه يسعى نوره بين يديه.