diamond
06-23-2006, 12:22 AM
إنما الأعمال بالنيات
أهدي لكم المقال التالي وهو عبارة عن أكثر من مقال دمجتها مع بعض لمزيد من الفائدة عسى أن تستفيدوا منه في وضع منهاج لكم في الحياه ويكون سببا لكم بالتوفيق والسعادة في الدارين بإذن الله ..
تارة نجلس إلى مأدبة الله في الأرض- وهي القرآن الكريم - وتارة أخرى نتأمل الأحكام والأخلاق في مدرسة النبوة ... مدرسة محمد سيدنا، وإمامنا، ومعلّمنا الأول والأمثل، صلى الله عليه وسلم.
ونبدأ بأهم درس في الإيمان وما يجب أن يتبعه من عمل صالح، وأساس ذلك وقاعدته ... وهي النية: أي ما يضمره المؤمن من هدف أو غرض عندما يعزم على أمر أو ينفذه من فوره...
يروي الإمام البخاري- رحمه الله - في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ... فهجرته إلى ما هاجر إليه" [1].
جاء هذا الحديث تعقيبا على قصة رجل هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لا رغبة في فضيلة الهجرة. وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس كان قد خطبها فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر من أجل ذلك. فكانوا يسمونه مهاجر أم قيس.
وقد أورد الإمام ابن حجر شارح الصحيح أقوالا لبعض العلماء عن أهمية هذا الحديث منها قول الإمام البخاري نفسه: "ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث".
واتفق – كما يقول ابن حجر- الشافعي وابن حنبل والمديني وأبو داود والترمذي والدارقطني على أن هذا الحديث ثلث الإسلام. وقال ابن مهدي إنه يدخل في ثلاثين بابا من العلم ، وقال الشافعي: في سبعين بابا.
وقد وجه البيهقي كون الحديث ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه. فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها. ومن ثمَّ ورد: "نية المؤمن خير من عمله" كما ورد في صحيح مسلم: "يبعثون على نياتهم" وحديث "جهاد ونية" وحديث: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وحديث: "رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته" وحديث: "من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى" [2].
وقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات" هذا التركيب - كما يرى الكرماني - يفيد الحصر عند المحققين فمعناه. كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية.
والنية - كما هو معروف من اللغة - هي القصد، أي عزيمة القلب، أو انبعاث القلب نحو ما يريده العبد من جلب نفع أو دفع مضرة.
- تعريف النية : النيّة في اللغة هي القصد والإرادة .
- فائدة النيّة :
- تمييز العبادات بعضها عن بعض
وتمييز العبادات عن العادات
قلت: إن القرآن الكريم يؤكد أهمية النية في العمل مثل قول الله عز وجل : {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [3]، وفي قوله أيضا : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} [4]. ومفهوم الحديث: أن أعمال الإنسان تتبع نيته، وتصدر عنها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها …فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ويرى بعض العلماء: أن الأقوال كالأعمال تصدر عن نية القائل، والحديث يتناولها بأحكامه بدليل الآية القرآنية من سورة الأنعام : {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}.
ويقول القرطبي: "قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما لكل امرئ ما نوى" فيه تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال".
ومما قاله السمعاني - في أماليه -: "إن الأكل إذا نوى به آكله القوة على الطاعة يثاب عليه".
والهجرة إلى الشيء : الانتقال إليه من غيره، وقد وقعت في الإسلام على وجهين الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمان كما حدث ذلك في الهجرة إلى الحبشة وابتداء الهجرة إلى المدينة، الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهاجر إليها من استطاع من المسلمين بعد ذلك، إلى أن أتم الله نعمته بفتح مكة المكرمة، فلم تعد الهجرة مختصة بالمدينة، ولكن بقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
وقوله "إلى دنيا يصيبها" عام في كل أمر من أمور الدنيا ثم جاء قوله: "أو امرأة ينكحها" زيادة في التحذير، لأن الافتتان بالنساء أشد، كما أن سبب الحديث هو قصة مهاجر أم قيس.
أما قوله صلى الله عليه وسلم : "فهجرته إلى ما هاجر إليه" فالمعنى أنه ليس له ثواب الهجرة إلى الله ورسوله، وإنما له ما أراد من الحصول على ما أحب من منفعة أو الابتعاد عما خاف من ضرر.
واختار الإمام الغزالي أنه إذا كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أجِرَ بقدره، وإن تساويا - أي تردد القصد بين الأمرين - فلا أجر له.
ويرى بعض السلف - كما نقل الإمام الطبري -: أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان ابتداؤه لله خالصا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره.
ويقول صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" [5].
يقول العلامة ابن حجر في التعبير باللسان دون القول ما يدخل في ذلك الاستهزاء بإخراج اللسان، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح ما يدخل في ذلك الاستيلاء على حق الغير بأي وسيلة أخرى.
والهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة؛ فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء، وما يوسوس به الشيطان أويزينه للإنسان من معصية وفسوق، والهجرة الظاهرة: الفرار بالدين من الفتن. وكأن المخاطبين بذلك نبهوا إلى أن لا يتكلوا على مجرد الهجرة من ديارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع فيهجروا ما حرم الله وما حرم رسوله.
ولعل في الحديث تطييبا لقلوب من لم يستطع الهجرة إلى المدينة، بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه.
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله يقول: "المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده".
ونعود إلى تأكيد أثر النية وأهميتها حيث نجد أن ابن حجر يقول ما خلاصته تعليقا على قول الله عز وجل: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أن الإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب، فقوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان، فالاستدلال بها في الإيمان واضح للاشتراك في المعنى إذ مدار الحقيقة فيهما على القلب.
ثم يضيف: أن فيه دليلا على بطلان قول الكرامية: إن الإيمان قول فقط، ودليلا على أن الإيمان ينقص ويزيد.
ويرى النووي: أن في الآية دليلا على المذهب الصحيح، وهو أن أفعال القلوب يؤاخذ بها إن استقرت وأما قوله عليه الصلاة والسلام : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" فمحمول على إذا لم تستقر [6].
وأورد البخاري في باب ما جاء في أن الأعمال بالنية والحسبة قوله عز وجل: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} من سورة الإسراء وقال: "أي على نيته" ثم أضاف الحديث: "نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة"، والحديث: "ولكن جهاد ونية". وفي رواية أخرى: "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة". وفي ثالثة: "إنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِيِ امرأتك".
والمراد بالحسبة والاحتساب: طلب الأجر والتماس المثوبة من عند الله عز وجل دون رياء ولا سمعة.
يقول ابن حجر - نقلا عن ابن المنير -: "إن ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا معنويا، والنية فيه شرط عقلي، وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن:
- الأول: التقرب إلى الله فرارا من الرياء.
- والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود.
- والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان".
أما قوله عز وجل : {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} فالشاكلة في الآية هي النية كما صح ذلك عن الحسن البصري وغيره وصح عن مجاهد أنها الطريقة، وهو الأكثر، وقيل: إنها الدين، وهي معاني متقاربة.
وقد يعجب الإنسان كيف ينفق على أهله ما يجب عليه ثم يكون له ثواب على ذلك، وهنا يقول النووي - كما نقل عنه ابن حجر -: "إن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه لأن وضع اللقمة في فم زوجته يقع غالبا في حالة المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجد القصد إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله"، وأضاف ابن حجر: أن هناك ما هو أصرح من وضع اللقمة في فم الزوجة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "في بضع أحدكم صدقة" قالوا: "يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟" قال: "نعم أرأيتم لو وضعها في حرام؟ أليس عليه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال فله أجر" أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
والمراد بالصدقة في الحديث: ثوابها ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية، والأهل هم الزوجة والأولاد والأقارب، ويقول الطبري: "لا منافاة بين كون نفقة واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من الصدقة".
وقال المهلب: "إن النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وفيه ترغيب للإنفاق على الأهل والأقارب قبل التصدق على الأباعد " [7].
وبعد: فنسأل الله التوفيق إلى أن تحسن نياتنا وتخلص أعالنا لله وحده..بلا رياء ولا سمعة، وأن يتقبلها بقبول حسن.
شرح عمدة الأحكام ح 1 - في النية وما يتعلق بها
حديث عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه .
1- هذا حديث عظيم
ولذا فإن العلماء يُصدّرون به مصنفاتهم كما فعل الإمام البخاري .
وقيل في تعليل ذلك : لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف .
قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفتُ كتابا في الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب . وقال : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ .
قال ابن رجب : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فرُويَ عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين بابا من الفقه . وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث :
حديث عمر " إنما الأعمال بالنيات " ، وحديث عائشة " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، وحديث النعمان بن بشير "
وقد قيل :
بصلاح النيّات تُصبح العادات عبادات
وبفساد النيّات تُصبح العبادات عادات
فالعادات من أكل وشُرب ونوم ونحو ذلك إذا صلحت فيها النيّة أصبحت عبادات ، إذ الوسائل لها أحكام المقاصد .
والعبادات إذا فسدت فيها النيّات أو غاب عن صاحبها استحضارها ولم يرد عليه الاحتساب كانت أعماله عادات أو كالعادات . لا قيمة لها ولا روح .
وضابط حصول النيّة وترتّب الأجر عليها :
ما قاله ابن المُلقِّن حيث قال : والضابط لحصول النيّة أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع ، وبتركه الانتهاء بنهي الشرع ، كانت حاصلة مُثاباً عليها ، وإلا فلا ، وإن لم يقصد ذلك كان عملاً بهيمياً ، ولذا قال بعض السلف : الأعمال البهيمية ما عُملت بغير نيّة . انتهى .
وضابط حصول الأجر من عدمِه :
أن تكون الحسنة أو السيئة همّـاً عند العبد ، كما في حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قال : إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك ؛ فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة . متفق عليه .
وإذا صلحت النيّة فربما بلغ العبد منازل الأبرار ،
وتَسَنّم المراتب العُلى بحسن نيّته .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
إنما الدنيا لأربعة نفر :
عبد رزقه الله عز وجل مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله عز وجل فيه حقه . قال : فهذا بأفضل المنازل .
قال : وعبد رزقه الله عز وجل علما ولم يرزقه مالا قال فهو يقول : لو كان لي مال عملت بعمل فلان قال فاجرهما سواء .
قال : وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقه فهذا بأخبث المنازل .
قال : وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول : لو كان لي مال لعملت بعمل فلان . قال : هي نيته فوزرهما فيه سواء . رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح .
ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معـكم . قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر . رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه ، ورواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .
مسألة دخول الرياء على النيّة:
ينقسم العمل الذي يُخالطه أو يُصاحبه الرياء بالنسبة لقبول العمل من عدمه إلى أقسام :
1. أن يُصاحبه الرياء من أصل العمل فيحبط العمل بالكليّة .
2. أن يطرأ عليه الرياء خلال العمل دافعه فإنه لا يضرّه ، وإن لم يُدافع الرياء فَلَهُ حالات :
3. إن كان العمل مما يتجزأ ، كالصدقة ونحوها ، فما دَخَلَه الرياء فهو حابط ، وما لم يدخل الرياء لم يحبط .
4. وإن كان مما لا يتجـزأ كالصلاة ونحوها فإنها تحبط ، لعـدم مُدافعته للرياء
5. والنيّة أصل في صلاح الأعمال
ولذا قال عليه الصلاة والسلام : إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه ، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع . والمُراد بذلك النيّة .
الرياء في العمل يكون وبالاً وعذاباً وحسرةً على صاحبه يوم القيامة ، يوم يُشهّر بصاحبه على رؤوس الأشهاد ، وعندها تزداد حسرته وندامته .
فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به . رواه مسلم عن ابن عباس ، وروى البخاري مثله عن جندب بن عبد الله .
قال العز بن عبد السلام : الرياء أن يعمل لغير الله ، والسمعـة أن يخفي عمله لله ، ثم يحدث به الناس .
قال الفضيل بن عياض : كانوا يقولون ترك العمل للناس رياء ، والعمل لهم شرك . عافانا الله وإياك .
إخلاص العمل لله سبب لسلامة القلب :
قال صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يَـغِـلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . رواه أحمد وأهل السنن .
قال ابن عبد البر : معناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبـداً ، يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفـاق إذا أخلص العمل لله ، ولزم الجماعـة ، وناصح أولي الأمر .
وقال ابن رجب : هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم . انتهى كلامه - رحمه الله - .
فعدمُ الإخلاص يُورث القلبَ الأضغان والأحقاد .
فمن المعروف انه الرياء هو الشرك الأصغر
و هو أخفى من دبيب النمل ...
و أحيانا يكون الأصل في العمل وجه الله و القرب منه
فما تشعر إلا و قد خالط نفسك شئ ... تحاول جاهدا ان تدفعه ...
فأحيانا تجد ان الشيطان يقول لك لا تخاشع لأن الناس يرونك و أحيانا تخاشع لن الله يراك
فتحتار .. و تخاف في عملك
ما الذي تفعله حينها ...
أما إذا جاء الشيطان ليُدخل الرياء على المسلم ، فعلى المسلم مدافعة الرياء ولا يضرّه .
فإذا جاء الشيطان أو ورد الوارد لتحسين العمل فعلى المسلم أن يتذكّر : أن الناس لا يملكون له نفعا ولا ضرا ، وبالتالي فليس هناك دافع للعمل لأجلهم .
وقد نقل ابن القيم - رحمه الله – عن عبد القادر الكيلاني - رحمه الله - أنه قال : كُـن مع الحق بلا خلق ، ومع الخلق بلا نفس .
ثم قال ابن القيم معلِّقاً : فتأمل ما أجلّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما ، وما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل .
فإذا قام المسلم يُصلّي – مثلاً – جاءه الشيطان ليُحبط عمله ، فيقول : له فُلان ينظر إليك وإلى عملك فأحسن العمل
فلا يلتفت إلى هذا ويبقى على ما كان عليه ولا يترك العمل لأجل ذلك ، كما تقدم في كلمة الفضيل بن عياض . [ والكلام يطول في تفصيل ذلك ]
من أجل ذلك كان السلف يحرصون على إخفاء العمل ، وأن يجهد الإنسان أن يُخفي العمل ما استطاع .
من أجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام : فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع . رواه البيهقي ، وقال المنذري : إسناده جيّد ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب .
وقال عليه الصلاة والسلام : فصلوا أيهـا الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . متفق عليه من حديث زيد بن ثابت ورواه أبو داود بلفظ : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة . فصلاة الرجل النافلة حيث لا يراه أحد أفضل من صلاته في مسجده صلى الله عليه وسلم .
وأما ما يُذهب الرياء
فأسوق إليك هذا الحديث بطوله وقد تضمّن قصة
روى البخاري في الأدب المفرد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا بكر ، للشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل .
فقال أبو بكر : وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، للشِّرك أخفى من دبيب النمل ، ألا أدلك على شيء إذا قـُـلتـه ذهب عنك قليله وكثيره ؟
قال : قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم . وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد .
لا يجوز التـّـلفّـظ بالنية ، إذ التـّـلفّـظ من محدثات الأمور
قال ابن عمر لما سَِمع رجلا عند إحرامه يقول : اللهم إني أريد الحج والعمرة . فقال له : أتُعلّم الناس ؟ أو ليس الله يعلم ما في نفسك ؟
فلا يتلفّظ بالنية حتى عند إرادة الحج والعمرة
فلا يقول عند إرادة عقد الإحرام : اللهم إني أريد الحج والعمرة .
وإنما يُلبّي بالحج والعمرة معاً أو بأحدهما
فيقول كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجة
أو : لبيك عمرة
وهذا ليس من التلفظ بالنية إنما هو بمنزلة التكبير عند دخول الصلاة .
وكذلك إذا أراد الصلاة فلا يقول – كما يقول بعض الجهلة : - اللهم إني أريد أصلي صلاة الظهر أربع ركعات .
فإن هذا لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم .
وكذا الأمر بالنسبة لسائر العبادات ؛ لأن النيّة محلّها القلب .
فيكفي فيها عقد العزم على الفعل .
كما أن نيّة تبييت الصيام من الليل لصوم الفريضة تكفي من أول شهر رمضان إلا أن يقطع النية بسفر أو فطر لمرض وعذر .
ويكفي في النية العزم على الفعل
فإنه إذا عزم على صيام يوم غد ثم صامه أجزأته النية التي عقدها بقلبه .
ويُقال نفس الكلام في نية الصلاة ، ولكن لا بد من تعيين النيّة لتلك الصلاة
هل هو يُريد صلاة الظهر أو العصر مثلاً
وكذلك الوضوء ، فإذا توضأ المسلم ، وهو ينوي رفع الحدث ارتفع حدثه
ولو اغتسل ونوى بالغسل اندراج الوضوء تحته أجزأه
وهكذا .
فالنيّة محلّها القلب ولا يجوز التلفظ بها ، بل التلفظ بها بدعة محدَثة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
والله أعلم
الأصل في الأعمال الإخفاء ( أن تُخفى(
لقوله سبحانه : ( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ )
وفي حديث السبعة الذين يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه قال صلى الله عليه وسلم فيهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه . متفق عليه .
وبوّب عليه الإمام البخاري : باب صدقة السر .
وعقد قبله باباً : باب صدقة العلانية ، ثم ساق قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
وقد تقدّم أن إخفاء العمل الصالح أبلغ في الإخلاص
وحال السلف يدل على ذلك ، وسأذكر بعض الأمثلة بعد ذلك إن شاء الله
غير أنه إذا طمِع المسلم أو المسلمة في الاقتداء به بذلك العمل فله أن يُظهره شريطة أن يُجاهد نفسه ، لأن الشيطان سيُدخل عليه الرياء .
ومن هنا فقد أظهر الصحابة رضي الله عنهم بعض أعمالهم لما احتاجوا إلى ذلك
فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أنه قال : كنا ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعّـر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذّن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة ) إلى آخر الآية : ( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) والآية التي في الحشر ( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) تصدّق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال : ولو بشق تمرة . قال : فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت . قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة . الحديث .
فهذا الأنصاري قد جاء بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت
وكان هذا على مرأى ومسمع من الناس .
فإذا اقتضت المصلحة إظهار العمل الصالح فإنه يُظهره لتلك المصلحة فحسب .
والله أعلم .
لما رأى ابن عمر رجلاً يُصلي ويُتابع قال له : ما هذا ؟ قال : إني لم أصل البارحة ، فقال ابن عمر : أتريد أن تخبرني الآن ! إنما هما ركعتان .
ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قال حصين بن عبد الرحمن : قلت : أنا ، ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت . فَذَكَرَ الحديث . رواه مسلم .
فقوله – رحمه الله – : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة .
وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص .
وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِـرّاً ؛ إن كان ليجئ الرجـل وقد نَشَـرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه .
قال الأعمش : كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقـرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال : لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة .
قال عبدة بن سليمان : كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمـه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال : و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا .
قال محمد بن القاسم : صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفاً من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدرِ ما يصنع حتى سمعت ابناً لـه صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمُّه ، فقلت لها : ما هذا ؟ قالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا
أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء .
وكان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبْرَة ، فجعل يتمخّط ويقول : ما أشدّ الزكام .
هذا نزر يسير من حرصهم على إخفاء أعمالهم حتى لا يدخلها الرياء ، ولا يجد الشيطان مدخلا إلى نفوسهم .
فرحم الله سلف هذه الأمة ما أعظم فقههم وما أدق فهمهم .
فائــدة :
لقي رجل يحيى بن أكثم وهو يومئذ على قضاء القضاة فقال له : أصلح الله القاضي كم آكل ؟
قال : فوق الجوع ، ودون الشبع .
قال : فكم أضحك ؟
قال : حتى يُسفر وجهك ، ولا يعلوا صوتك .
قال : فكم أبكي ؟
قال : لا تمل البكاء من خشية الله .
قال : فكم أخفي من عملي ؟
قال : ما استطعت .
قال : فكم أظهر منه ؟
قال : ما يقتدي بك الحريص على الخير ، ويُؤمن عليك قول الناس .
صحيح البخاري ج1ص9.
المصدر نفسه ج1ص11.
سورة الإسراء آية 25.
سورة الأنفال آية 70.
صحيح البخاري ج1ص53.
ص135.
ملخص من ص498 ج9 من فتح الباري.
أهدي لكم المقال التالي وهو عبارة عن أكثر من مقال دمجتها مع بعض لمزيد من الفائدة عسى أن تستفيدوا منه في وضع منهاج لكم في الحياه ويكون سببا لكم بالتوفيق والسعادة في الدارين بإذن الله ..
تارة نجلس إلى مأدبة الله في الأرض- وهي القرآن الكريم - وتارة أخرى نتأمل الأحكام والأخلاق في مدرسة النبوة ... مدرسة محمد سيدنا، وإمامنا، ومعلّمنا الأول والأمثل، صلى الله عليه وسلم.
ونبدأ بأهم درس في الإيمان وما يجب أن يتبعه من عمل صالح، وأساس ذلك وقاعدته ... وهي النية: أي ما يضمره المؤمن من هدف أو غرض عندما يعزم على أمر أو ينفذه من فوره...
يروي الإمام البخاري- رحمه الله - في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها ... فهجرته إلى ما هاجر إليه" [1].
جاء هذا الحديث تعقيبا على قصة رجل هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لا رغبة في فضيلة الهجرة. وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس كان قد خطبها فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر من أجل ذلك. فكانوا يسمونه مهاجر أم قيس.
وقد أورد الإمام ابن حجر شارح الصحيح أقوالا لبعض العلماء عن أهمية هذا الحديث منها قول الإمام البخاري نفسه: "ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث".
واتفق – كما يقول ابن حجر- الشافعي وابن حنبل والمديني وأبو داود والترمذي والدارقطني على أن هذا الحديث ثلث الإسلام. وقال ابن مهدي إنه يدخل في ثلاثين بابا من العلم ، وقال الشافعي: في سبعين بابا.
وقد وجه البيهقي كون الحديث ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه. فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها. ومن ثمَّ ورد: "نية المؤمن خير من عمله" كما ورد في صحيح مسلم: "يبعثون على نياتهم" وحديث "جهاد ونية" وحديث: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" وحديث: "رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته" وحديث: "من غزا لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى" [2].
وقوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات" هذا التركيب - كما يرى الكرماني - يفيد الحصر عند المحققين فمعناه. كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية.
والنية - كما هو معروف من اللغة - هي القصد، أي عزيمة القلب، أو انبعاث القلب نحو ما يريده العبد من جلب نفع أو دفع مضرة.
- تعريف النية : النيّة في اللغة هي القصد والإرادة .
- فائدة النيّة :
- تمييز العبادات بعضها عن بعض
وتمييز العبادات عن العادات
قلت: إن القرآن الكريم يؤكد أهمية النية في العمل مثل قول الله عز وجل : {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} [3]، وفي قوله أيضا : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} [4]. ومفهوم الحديث: أن أعمال الإنسان تتبع نيته، وتصدر عنها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها …فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ويرى بعض العلماء: أن الأقوال كالأعمال تصدر عن نية القائل، والحديث يتناولها بأحكامه بدليل الآية القرآنية من سورة الأنعام : {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً}.
ويقول القرطبي: "قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما لكل امرئ ما نوى" فيه تحقيق لاشتراط النية، والإخلاص في الأعمال".
ومما قاله السمعاني - في أماليه -: "إن الأكل إذا نوى به آكله القوة على الطاعة يثاب عليه".
والهجرة إلى الشيء : الانتقال إليه من غيره، وقد وقعت في الإسلام على وجهين الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمان كما حدث ذلك في الهجرة إلى الحبشة وابتداء الهجرة إلى المدينة، الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهاجر إليها من استطاع من المسلمين بعد ذلك، إلى أن أتم الله نعمته بفتح مكة المكرمة، فلم تعد الهجرة مختصة بالمدينة، ولكن بقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
وقوله "إلى دنيا يصيبها" عام في كل أمر من أمور الدنيا ثم جاء قوله: "أو امرأة ينكحها" زيادة في التحذير، لأن الافتتان بالنساء أشد، كما أن سبب الحديث هو قصة مهاجر أم قيس.
أما قوله صلى الله عليه وسلم : "فهجرته إلى ما هاجر إليه" فالمعنى أنه ليس له ثواب الهجرة إلى الله ورسوله، وإنما له ما أراد من الحصول على ما أحب من منفعة أو الابتعاد عما خاف من ضرر.
واختار الإمام الغزالي أنه إذا كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أجِرَ بقدره، وإن تساويا - أي تردد القصد بين الأمرين - فلا أجر له.
ويرى بعض السلف - كما نقل الإمام الطبري -: أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان ابتداؤه لله خالصا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره.
ويقول صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" [5].
يقول العلامة ابن حجر في التعبير باللسان دون القول ما يدخل في ذلك الاستهزاء بإخراج اللسان، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح ما يدخل في ذلك الاستيلاء على حق الغير بأي وسيلة أخرى.
والهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة؛ فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء، وما يوسوس به الشيطان أويزينه للإنسان من معصية وفسوق، والهجرة الظاهرة: الفرار بالدين من الفتن. وكأن المخاطبين بذلك نبهوا إلى أن لا يتكلوا على مجرد الهجرة من ديارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع فيهجروا ما حرم الله وما حرم رسوله.
ولعل في الحديث تطييبا لقلوب من لم يستطع الهجرة إلى المدينة، بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه.
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله يقول: "المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده".
ونعود إلى تأكيد أثر النية وأهميتها حيث نجد أن ابن حجر يقول ما خلاصته تعليقا على قول الله عز وجل: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أن الإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب، فقوله: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أي بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان، فالاستدلال بها في الإيمان واضح للاشتراك في المعنى إذ مدار الحقيقة فيهما على القلب.
ثم يضيف: أن فيه دليلا على بطلان قول الكرامية: إن الإيمان قول فقط، ودليلا على أن الإيمان ينقص ويزيد.
ويرى النووي: أن في الآية دليلا على المذهب الصحيح، وهو أن أفعال القلوب يؤاخذ بها إن استقرت وأما قوله عليه الصلاة والسلام : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" فمحمول على إذا لم تستقر [6].
وأورد البخاري في باب ما جاء في أن الأعمال بالنية والحسبة قوله عز وجل: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} من سورة الإسراء وقال: "أي على نيته" ثم أضاف الحديث: "نفقة الرجل على أهله يحتسبها صدقة"، والحديث: "ولكن جهاد ونية". وفي رواية أخرى: "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة". وفي ثالثة: "إنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فِيِ امرأتك".
والمراد بالحسبة والاحتساب: طلب الأجر والتماس المثوبة من عند الله عز وجل دون رياء ولا سمعة.
يقول ابن حجر - نقلا عن ابن المنير -: "إن ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه، لأنه لا يمكن أن يقع إلا معنويا، والنية فيه شرط عقلي، وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن:
- الأول: التقرب إلى الله فرارا من الرياء.
- والثاني: التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود.
- والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان".
أما قوله عز وجل : {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} فالشاكلة في الآية هي النية كما صح ذلك عن الحسن البصري وغيره وصح عن مجاهد أنها الطريقة، وهو الأكثر، وقيل: إنها الدين، وهي معاني متقاربة.
وقد يعجب الإنسان كيف ينفق على أهله ما يجب عليه ثم يكون له ثواب على ذلك، وهنا يقول النووي - كما نقل عنه ابن حجر -: "إن الحظ إذا وافق الحق لا يقدح في ثوابه لأن وضع اللقمة في فم زوجته يقع غالبا في حالة المداعبة، ولشهوة النفس في ذلك مدخل ظاهر، ومع ذلك إذا وجد القصد إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله"، وأضاف ابن حجر: أن هناك ما هو أصرح من وضع اللقمة في فم الزوجة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "في بضع أحدكم صدقة" قالوا: "يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟" قال: "نعم أرأيتم لو وضعها في حرام؟ أليس عليه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال فله أجر" أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
والمراد بالصدقة في الحديث: ثوابها ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونا بالنية، والأهل هم الزوجة والأولاد والأقارب، ويقول الطبري: "لا منافاة بين كون نفقة واجبة وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من الصدقة".
وقال المهلب: "إن النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وفيه ترغيب للإنفاق على الأهل والأقارب قبل التصدق على الأباعد " [7].
وبعد: فنسأل الله التوفيق إلى أن تحسن نياتنا وتخلص أعالنا لله وحده..بلا رياء ولا سمعة، وأن يتقبلها بقبول حسن.
شرح عمدة الأحكام ح 1 - في النية وما يتعلق بها
حديث عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه .
1- هذا حديث عظيم
ولذا فإن العلماء يُصدّرون به مصنفاتهم كما فعل الإمام البخاري .
وقيل في تعليل ذلك : لم يقصد البخاري بإيراده سوى بيان حسن نيته فيه في هذا التأليف .
قال عبد الرحمن بن مهدي : لو صنفتُ كتابا في الأبواب لجعلت حديث عمر بن الخطاب في الأعمال بالنيات في كل باب . وقال : من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ .
قال ابن رجب : وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها ، فرُويَ عن الشافعي أنه قال : هذا الحديث ثلث العلم ، ويدخل في سبعين بابا من الفقه . وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث :
حديث عمر " إنما الأعمال بالنيات " ، وحديث عائشة " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ، وحديث النعمان بن بشير "
وقد قيل :
بصلاح النيّات تُصبح العادات عبادات
وبفساد النيّات تُصبح العبادات عادات
فالعادات من أكل وشُرب ونوم ونحو ذلك إذا صلحت فيها النيّة أصبحت عبادات ، إذ الوسائل لها أحكام المقاصد .
والعبادات إذا فسدت فيها النيّات أو غاب عن صاحبها استحضارها ولم يرد عليه الاحتساب كانت أعماله عادات أو كالعادات . لا قيمة لها ولا روح .
وضابط حصول النيّة وترتّب الأجر عليها :
ما قاله ابن المُلقِّن حيث قال : والضابط لحصول النيّة أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع ، وبتركه الانتهاء بنهي الشرع ، كانت حاصلة مُثاباً عليها ، وإلا فلا ، وإن لم يقصد ذلك كان عملاً بهيمياً ، ولذا قال بعض السلف : الأعمال البهيمية ما عُملت بغير نيّة . انتهى .
وضابط حصول الأجر من عدمِه :
أن تكون الحسنة أو السيئة همّـاً عند العبد ، كما في حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى قال : إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك ؛ فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عز وجل عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة . متفق عليه .
وإذا صلحت النيّة فربما بلغ العبد منازل الأبرار ،
وتَسَنّم المراتب العُلى بحسن نيّته .
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
إنما الدنيا لأربعة نفر :
عبد رزقه الله عز وجل مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله عز وجل فيه حقه . قال : فهذا بأفضل المنازل .
قال : وعبد رزقه الله عز وجل علما ولم يرزقه مالا قال فهو يقول : لو كان لي مال عملت بعمل فلان قال فاجرهما سواء .
قال : وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه عز وجل ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقه فهذا بأخبث المنازل .
قال : وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول : لو كان لي مال لعملت بعمل فلان . قال : هي نيته فوزرهما فيه سواء . رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما ، وقال الترمذي حديث حسن صحيح .
ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال : إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معـكم . قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة ؟ قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر . رواه البخاري من حديث أنس رضي الله عنه ، ورواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .
مسألة دخول الرياء على النيّة:
ينقسم العمل الذي يُخالطه أو يُصاحبه الرياء بالنسبة لقبول العمل من عدمه إلى أقسام :
1. أن يُصاحبه الرياء من أصل العمل فيحبط العمل بالكليّة .
2. أن يطرأ عليه الرياء خلال العمل دافعه فإنه لا يضرّه ، وإن لم يُدافع الرياء فَلَهُ حالات :
3. إن كان العمل مما يتجزأ ، كالصدقة ونحوها ، فما دَخَلَه الرياء فهو حابط ، وما لم يدخل الرياء لم يحبط .
4. وإن كان مما لا يتجـزأ كالصلاة ونحوها فإنها تحبط ، لعـدم مُدافعته للرياء
5. والنيّة أصل في صلاح الأعمال
ولذا قال عليه الصلاة والسلام : إنما الأعمال كالوعاء إذا طاب أسفله طاب أعلاه ، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه . رواه ابن ماجه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع . والمُراد بذلك النيّة .
الرياء في العمل يكون وبالاً وعذاباً وحسرةً على صاحبه يوم القيامة ، يوم يُشهّر بصاحبه على رؤوس الأشهاد ، وعندها تزداد حسرته وندامته .
فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : من سمع سمع الله به ، ومن راءى راءى الله به . رواه مسلم عن ابن عباس ، وروى البخاري مثله عن جندب بن عبد الله .
قال العز بن عبد السلام : الرياء أن يعمل لغير الله ، والسمعـة أن يخفي عمله لله ، ثم يحدث به الناس .
قال الفضيل بن عياض : كانوا يقولون ترك العمل للناس رياء ، والعمل لهم شرك . عافانا الله وإياك .
إخلاص العمل لله سبب لسلامة القلب :
قال صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يَـغِـلّ عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . رواه أحمد وأهل السنن .
قال ابن عبد البر : معناه لا يكون القلب عليهن ومعهن غليلا أبـداً ، يعني لا يقوى فيه مرض ولا نفـاق إذا أخلص العمل لله ، ولزم الجماعـة ، وناصح أولي الأمر .
وقال ابن رجب : هذه الثلاث الخصال تنفي الغل عن قلب المسلم . انتهى كلامه - رحمه الله - .
فعدمُ الإخلاص يُورث القلبَ الأضغان والأحقاد .
فمن المعروف انه الرياء هو الشرك الأصغر
و هو أخفى من دبيب النمل ...
و أحيانا يكون الأصل في العمل وجه الله و القرب منه
فما تشعر إلا و قد خالط نفسك شئ ... تحاول جاهدا ان تدفعه ...
فأحيانا تجد ان الشيطان يقول لك لا تخاشع لأن الناس يرونك و أحيانا تخاشع لن الله يراك
فتحتار .. و تخاف في عملك
ما الذي تفعله حينها ...
أما إذا جاء الشيطان ليُدخل الرياء على المسلم ، فعلى المسلم مدافعة الرياء ولا يضرّه .
فإذا جاء الشيطان أو ورد الوارد لتحسين العمل فعلى المسلم أن يتذكّر : أن الناس لا يملكون له نفعا ولا ضرا ، وبالتالي فليس هناك دافع للعمل لأجلهم .
وقد نقل ابن القيم - رحمه الله – عن عبد القادر الكيلاني - رحمه الله - أنه قال : كُـن مع الحق بلا خلق ، ومع الخلق بلا نفس .
ثم قال ابن القيم معلِّقاً : فتأمل ما أجلّ هاتين الكلمتين مع اختصارهما ، وما أجمعهما لقواعد السلوك ، ولكل خلق جميل .
فإذا قام المسلم يُصلّي – مثلاً – جاءه الشيطان ليُحبط عمله ، فيقول : له فُلان ينظر إليك وإلى عملك فأحسن العمل
فلا يلتفت إلى هذا ويبقى على ما كان عليه ولا يترك العمل لأجل ذلك ، كما تقدم في كلمة الفضيل بن عياض . [ والكلام يطول في تفصيل ذلك ]
من أجل ذلك كان السلف يحرصون على إخفاء العمل ، وأن يجهد الإنسان أن يُخفي العمل ما استطاع .
من أجل ذلك قال عليه الصلاة والسلام : فضل صلاة الرجل في بيته على صلاته حيث يراه الناس كفضل الفريضة على التطوع . رواه البيهقي ، وقال المنذري : إسناده جيّد ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب .
وقال عليه الصلاة والسلام : فصلوا أيهـا الناس في بيوتكم ، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة . متفق عليه من حديث زيد بن ثابت ورواه أبو داود بلفظ : صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة . فصلاة الرجل النافلة حيث لا يراه أحد أفضل من صلاته في مسجده صلى الله عليه وسلم .
وأما ما يُذهب الرياء
فأسوق إليك هذا الحديث بطوله وقد تضمّن قصة
روى البخاري في الأدب المفرد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا أبا بكر ، للشِّرك فيكم أخفى من دبيب النمل .
فقال أبو بكر : وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، للشِّرك أخفى من دبيب النمل ، ألا أدلك على شيء إذا قـُـلتـه ذهب عنك قليله وكثيره ؟
قال : قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم . وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد .
لا يجوز التـّـلفّـظ بالنية ، إذ التـّـلفّـظ من محدثات الأمور
قال ابن عمر لما سَِمع رجلا عند إحرامه يقول : اللهم إني أريد الحج والعمرة . فقال له : أتُعلّم الناس ؟ أو ليس الله يعلم ما في نفسك ؟
فلا يتلفّظ بالنية حتى عند إرادة الحج والعمرة
فلا يقول عند إرادة عقد الإحرام : اللهم إني أريد الحج والعمرة .
وإنما يُلبّي بالحج والعمرة معاً أو بأحدهما
فيقول كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجة
أو : لبيك عمرة
وهذا ليس من التلفظ بالنية إنما هو بمنزلة التكبير عند دخول الصلاة .
وكذلك إذا أراد الصلاة فلا يقول – كما يقول بعض الجهلة : - اللهم إني أريد أصلي صلاة الظهر أربع ركعات .
فإن هذا لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم .
وكذا الأمر بالنسبة لسائر العبادات ؛ لأن النيّة محلّها القلب .
فيكفي فيها عقد العزم على الفعل .
كما أن نيّة تبييت الصيام من الليل لصوم الفريضة تكفي من أول شهر رمضان إلا أن يقطع النية بسفر أو فطر لمرض وعذر .
ويكفي في النية العزم على الفعل
فإنه إذا عزم على صيام يوم غد ثم صامه أجزأته النية التي عقدها بقلبه .
ويُقال نفس الكلام في نية الصلاة ، ولكن لا بد من تعيين النيّة لتلك الصلاة
هل هو يُريد صلاة الظهر أو العصر مثلاً
وكذلك الوضوء ، فإذا توضأ المسلم ، وهو ينوي رفع الحدث ارتفع حدثه
ولو اغتسل ونوى بالغسل اندراج الوضوء تحته أجزأه
وهكذا .
فالنيّة محلّها القلب ولا يجوز التلفظ بها ، بل التلفظ بها بدعة محدَثة ، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
والله أعلم
الأصل في الأعمال الإخفاء ( أن تُخفى(
لقوله سبحانه : ( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ )
وفي حديث السبعة الذين يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظلّه قال صلى الله عليه وسلم فيهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه . متفق عليه .
وبوّب عليه الإمام البخاري : باب صدقة السر .
وعقد قبله باباً : باب صدقة العلانية ، ثم ساق قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
وقد تقدّم أن إخفاء العمل الصالح أبلغ في الإخلاص
وحال السلف يدل على ذلك ، وسأذكر بعض الأمثلة بعد ذلك إن شاء الله
غير أنه إذا طمِع المسلم أو المسلمة في الاقتداء به بذلك العمل فله أن يُظهره شريطة أن يُجاهد نفسه ، لأن الشيطان سيُدخل عليه الرياء .
ومن هنا فقد أظهر الصحابة رضي الله عنهم بعض أعمالهم لما احتاجوا إلى ذلك
فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير رضي الله عنه أنه قال : كنا ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعّـر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج ، فأمر بلالاً فأذّن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَة ) إلى آخر الآية : ( إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) والآية التي في الحشر ( اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) تصدّق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال : ولو بشق تمرة . قال : فجاء رجل من الأنصار بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت . قال : ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة . الحديث .
فهذا الأنصاري قد جاء بِصُرّة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت
وكان هذا على مرأى ومسمع من الناس .
فإذا اقتضت المصلحة إظهار العمل الصالح فإنه يُظهره لتلك المصلحة فحسب .
والله أعلم .
لما رأى ابن عمر رجلاً يُصلي ويُتابع قال له : ما هذا ؟ قال : إني لم أصل البارحة ، فقال ابن عمر : أتريد أن تخبرني الآن ! إنما هما ركعتان .
ولما قال سعيد بن جبير لأصحابه : أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة ؟ قال حصين بن عبد الرحمن : قلت : أنا ، ثم قلت : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت . فَذَكَرَ الحديث . رواه مسلم .
فقوله – رحمه الله – : أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت ، لينفي عن نفسه حبّ السمعة والشهرة ، وليعلم جليسه أنه لم يكن في صلاة .
وما ذلك إلا لحرصهم على الإخلاص .
وقد كان عمل الربيع بن خثيم كله سِـرّاً ؛ إن كان ليجئ الرجـل وقد نَشَـرَ المصحف ، فيغطيه بثوبه .
قال الأعمش : كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقـرأ في المصحف ، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف ، وقال : لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة .
قال عبدة بن سليمان : كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو ، فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البِراز ، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ، فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو مُلَثّمٌ وجهه بكمـه ، فأخذت بطرف كمه فمددته ، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال : و أنت يا أبا عمرو ! ممن يشنع علينا .
قال محمد بن القاسم : صحبت محمد بن أسلم أكثر من عشرين سنة لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة ، وسمعته كذا وكذا مرة يحلف لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت خوفاً من الرياء ، وكان يدخل بيتا له ويُغلق بابه ، ولم أدرِ ما يصنع حتى سمعت ابناً لـه صغيرا يحكي بكاءه ، فنهته أمُّه ، فقلت لها : ما هذا ؟ قالت : إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه ، وكان إذا
أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل فلا يرى عليه أثر البكاء .
وكان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبْرَة ، فجعل يتمخّط ويقول : ما أشدّ الزكام .
هذا نزر يسير من حرصهم على إخفاء أعمالهم حتى لا يدخلها الرياء ، ولا يجد الشيطان مدخلا إلى نفوسهم .
فرحم الله سلف هذه الأمة ما أعظم فقههم وما أدق فهمهم .
فائــدة :
لقي رجل يحيى بن أكثم وهو يومئذ على قضاء القضاة فقال له : أصلح الله القاضي كم آكل ؟
قال : فوق الجوع ، ودون الشبع .
قال : فكم أضحك ؟
قال : حتى يُسفر وجهك ، ولا يعلوا صوتك .
قال : فكم أبكي ؟
قال : لا تمل البكاء من خشية الله .
قال : فكم أخفي من عملي ؟
قال : ما استطعت .
قال : فكم أظهر منه ؟
قال : ما يقتدي بك الحريص على الخير ، ويُؤمن عليك قول الناس .
صحيح البخاري ج1ص9.
المصدر نفسه ج1ص11.
سورة الإسراء آية 25.
سورة الأنفال آية 70.
صحيح البخاري ج1ص53.
ص135.
ملخص من ص498 ج9 من فتح الباري.