diamond
06-21-2006, 07:41 PM
الموسوعية عند علماء المسلمين ظاهرة علمية لم تتكرر
تأملات :الوطن العربي :الاثنين 24 ربيع الثاني 1427هـ – 22 مايو 2006م
- الطبري والباقلاني والتوحيدي أمثلة على العبقرية العلمية والموسوعية.
- اللغة العربية هي وعاء الدين وأساس الحضارة.
- من خصائص الإسلام: غير العرب تعلموا العربية وعلموها للعرب.
- سارتون سمى العصور بأسماء علماء المسلمين الكبار.
د. علي عبد الباقي
مفكرة الإسلام: يمتاز العلماء المسلمون الذين شيدوا الحضارة الإسلامية بخاصية فريدة وهي خاصية الموسوعية، فلم يكن الواحد منهم عالما متخصصا في فن واحد أو في فرع واحد من فروع العلم والمعرفة بل كان موسوعيا يعرف معظم ما انتهى إليه العلم في معظم التخصصات.
إن سارتون في كتابه 'مقدمة في تاريخ العلم' حين وصل إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين لم يقتنع بما قدمه له مساعدوه فاضطر إلى تعلم اللغة العربية، وبعد دراسة حضارة المسلمين انتهى إلى تقسيم عصور تاريخ العلم بحسب أبرز علماء الحضارة الإسلامية إبان الفترة من القرن الثامن وحتى القرن الثالث عشر الميلادي .. فأطلق على النصف الثاني من القرن الثامن عصر جابر بن حيان، وأطلق على النصف الأول من القرن التاسع عصر الخوارزمي، وأطلق على النصف الثاني من القرن التاسع عصر الرازي، وأطلق على النصف الأول من القرن العاشر عصر المسعودي، وأطلق على النصف الثاني من القرن العاشر عصر الجوزجاني، وأطلق على النصف الأول من القرن الحادي عشر عصر البيروني، وأطلق على النصف الثاني من القرن الحادي عشر عصر الخيام، وأطلق على النصف الأول من القرن الثاني عشر عصر ابن زهر الأندلسي، وعلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر عصر ابن رشد، وعلى النصف الأول من القرن الثالث عشر عصر الترجمة من العربية إلى أوروبا.
لقد قام بعض علماء المسلمين بعملية إحصائية في أمر السور والآيات التي نزلت تدعو إلى العلم والمعرفة فوجدوا ما يتعلق منها بمادة علم 804 آية، بالإضافة إلى 52 لمادة خبر، و 20 آية لمادة قرأ، 80 آية لمادة أنبأ، 49 آية لمادة عقل، 20 آية لمادة فقه، 18 آية لمادة فكر.. ومجموع هذه الآيات 1093 آية، وعدد آيات القرآن 6232 آية، أي أن سدس آيات القرآن الكريم نزل في العلم وتمجيده والتشجيع عليه والسعي إليه.
لكن حينما يقرأ الإنسان قول الله تعالى [وقل رب زدني علماً] وأيضا [إنما يخشى الله من عباده العلماء].. وقوله تعالى: [شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط..] فإنه يصاب بالرهبة والفزع في نفس الوقت. ومن هذه الأرضية التي كلها علم وتدعو إلى العلم خرج العلماء المسلمون الموسوعيون الذين علموا العالم. إن الفراعنة وصلوا إلى كثير من خبايا العلم ونبهوا في كثير من العلوم ولكنهم لم يكن لديهم هذا التنوع الكبير والموسوعية مثلما كان الحال عند المسلمين. وفي الحضارة اليونانية لم يصل العلماء، عدداً وكماً وكيفاً وتنوعاً، مثلما كان هو الحال في الحضارة العربية الإسلامية.
إننا ندهش حينما نسمع عن أسماء علماء مثل ابن سميل وابن الكلبي وأبوعبيدة والأصمعي والهيثم بن عدى والمدائني.. وهم علماء عاشوا في القرن الثاني الهجري وكل واحد منهم ترك من الكتب ما بين مائتين إلى ثلاثمائة كتاب.
اللغة العربية والعلوم الإسلامية أساس حضارتنا
إن العلم كان في أوله هو العلم الديني، فقد كان جميع العلماء المسلمين بلا استثناء أخذوا العلم أول ما أخذوا من البعد الديني فكان تعليمهم إسلاميا يركز على علوم اللغة والشريعة..وهكذا فإن جميع العلماء المسلمين سواء من استمر في طريق العلم الديني أو من تفرع في العلوم التطبيقية أيضا بدءوا بالعلم الديني الإسلامي مع التركيز على اللغة العربية التي هي مفتاح العلوم الإسلامية والتقصير فيها يعتبر تقصير في الدين. ولقد أقبل المسلمون على تعلم اللغة العربية سواء كانوا عربا أو غير عرب لأنها لغة القرآن والعقيدة والشريعة. فالبيروني لم يكن عربيا، وابن جني كان يونانيا، وابن طفيل والجاحظ لم يكونا عربيين، ومع ذلك تعلموا اللغة العربية وصاروا أساتذة لنا فيها. ومن أجل ذلك تأخرت كتابة العلوم الإسلامية بعض الشيء لكنها بدأت شابة بغير طفولة. فابن الكلبي مثلا كتب في تسعة فنون، وفي كل فن كتب عشرات الكتب، فكتب في الأحلام والمآثر والموجودات وأخبار الأوائل وأخبار البلدان والشعر والأسماء وأخبار الجاهلية وأخبار الإسلام. وهذه مقدرة غير عادية وتمكن غير بسيط من ألوان متفرقة من الفنون. والمبهر أنه بلغ الذروة في كل فن، وكتاباته فيها جميعا متميزة وليست تسويد ورق فقط.. وإنما هي مليئة بالعلم والفهم والدقة والوعي.
أمثلة من موسوعية علماء المسلمين
ومن العلماء المسلمين المشهورين الطبري، وهو يشتهر بالتفسير فهو عمدة المفسرين، فهو في تفسير القرآن كأنما لم يتخصص في علم من العلوم سواه. لكن الذي يقرأ التاريخ لا يستطيع أن يفهم تاريخ الإسلام بدون أن يقرأ تاريخ الطبري، وكأن الطبري لم يكن متخصصا في علم من العلوم سوى التاريخ. وإذا ذهبنا إلى الفقه وجدنا الطبري إماما في الفقه وصاحب مذهب فقهي وكأنه ليس متخصصا إلا في الفقه.وهكذا الأمر في القراءات والعقيدة والحديث والسنن والأصول والسير والقضاء والأخلاق والرؤى والأحلام واللغة والشعر.
وإذا نظرنا إلى الإمام أبي حنيفة لوجدناه وكأن منتهى علم الفقه وأصول الفقه والتوحيد والعقيدة إليه.. وفي نفس الوقت كان أبو حنيفة عالم أخلاق وعالم اقتصاد وعالم في البيع والشراء. والميراث الفقهي لأبي حنيفة، والذي يتبعه ملايين وعشرات الملايين بل ومئات الملايين من المسلمين ويقضي به القضاة ويجري العمل به في القوانين والمحاكم، كل ذلك يؤكد عبقرية هذا العالم الموسوعي الذي جمع فنونا عديدة من العلم بلغ فيها جميعا المنتهى. والإمام الشافعي كان حجة في اللغة، وكان شاعرا لا يشق له غبار، وهو الذي قال: لولا الفقه لكنت أشعر من لبيد، وهو أشعر من لبيد بالفعل رغم الفقه. وبالإضافة إلى نبوغ الشافعي في علوم اللغة العربية والشعر فقد كان أصوليا متمكنا فهو الذي وضع أسس علم أصول الفقه في كتابه 'الرسالة'. وهو حجة في علم التوحيد والعقيدة، وحجة في الفقه، وحجة في أيام العرب وتاريخ العرب وتاريخ الإسلام، وكان عالما بالفراسة أي يتفرس الإنسان فيعرف شخصيته من قسماته وملامحه.
أما الباقلاني فمشهور بأنه صاحب أشهر كتاب في إعجاز القرآن، لكنه عالم وحجة في التفسير والفقه والأصول وعيون الكلام والطبقات والديانات والفرق الإسلامية والأخلاق والتاريخ والأدب والنقد. وقد ترك الباقلاني خمسة وخمسين كتابا، يعتبر كل كتاب منها عمدة في مجاله، فضلاً عن لباقته ومحاضراته وجدله مع القساوسة. وكان جالسا ذات مرة مع أحد القساوسة فسأله عن حاله وحال أولاده فاستنكر القس ذلك وقال أتسأل عن أولادي؟ ألا تعرف أن القساوسة منزهون عن الأولاد.. فقال الباقلاني بسرعة أتنزهون أنفسكم عن الولد وتنسبونه إلى الله؟
ومن العلماء المسلمين الموسوعيين أيضاً أبو الحسن الماوردي، وكان يمتلك دكانا يبيع فيه ماء ورد، وهكذا كان كل أو غالبية العلماء .. ليسوا موظفين.. لأن العالم إذا كان موظفا فقد أسقط ركنا من أركان علمه.. والماوردي كتبه غير معروفة العدد لأن بعض العلماء كان يحرق كتبه خوفا من تفسير أفكارهم تفسيرا ينسبها إلى الضلال. والماوردي كتب الأحكام السلطانية، ومفتخر علوم القرآن، وأمثال القرآن، والتفسير الكبير للقرآن الكريم، والحاوي في الفقه الشافعي، وكتب كثيرة في السياسة مثل أخلاق الملك، وسياسة الملك، ونصيحة الملوك، وأدب الدنيا والدين.. الخ. وأما مذهبه الإسلامي فقد جعل العلم في خدمة الفقه والعقيدة.
ومن العلماء الموسوعيين أيضاً أبو حيان التوحيدي وقد أحرق كتبه جميعاً وكانت ثمانية وعشرين كتابا، كل كتاب يساوي ألف كتاب، لأن ما أفلت منها ووصل إلينا وهو كتاب الإمتاع والمؤانسة يساوي ألف كتاب فعلاً. وقد كان أبو حيان يحترف الكتابة عند وزراء بني بويه وكانوا لا يحسنون معاملته فسمع به أحد الوزراء في بغداد فأرسل إليه واجتذبه وطلب منه أن يلقي بعض المحاضرات، فألقى الرجل أربعين محاضرة في كل فن يخطر على البال وكان يجلس ولا يعرف في أي موضوع سيتحدث فإذا ما تعب القوم قال له الوزير لقد أمتعتنا غاية الإمتاع وآنستنا غاية المؤانسة فهات حكاية الوداع.. وهكذا.
عطاء المسلمين الحضاري قائم الآن كما كان سابقاً
إننا نسجل هنا بعض الاختراعات والاكتشافات ذات الأصول الإسلامية حتى يعرفها الشباب لأن الغرب يحاول أن يطمس هذه الحقائق. فالدورة الدموية الكبرى والصغرى لابن النفيس سطا عليها هارفي ونسبها لنفسه وينسبها الغرب لهارفي ولا يذكرون ابن النفيس.. وهكذا. والتخدير اكتشفه ابن سينا، والنظارة اكتشفها ابن الهيثم، واكتشاف وتطوير صناعة الورق، ثم الإبرة المغناطيسية، والبوصلة، وبارود المدفع، والمضخة الماصة الكابسة، والكاميرا، والبترول، وقوانين الحركة الثلاثة، ونظرية تكوين الكائن الحي، ونظرية المورثات .. كل هذه وغيرها اكتشافات إسلامية رغم أنها تنسب إلى علماء أوروبيين محدثين.
إن عطاء المسلمين في الحضارة العالمية لم يكن قديما فقط بل هو قائم الآن أيضا. فخمسون في المائة من الأطباء المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا واستراليا من العرب والمسلمين، وثلاثة وعشرون في المائة من المهندسين المهاجرين من العرب والمسلمين، وخمسة عشر في المائة من الفيزيائيين المهاجرين من العرب والمسلمين، هذا إلى جانب إخوانهم المسلمين من غير العرب.
وهكذا فإن الكفاءات الكبيرة التي أسهمت في العقل الأمريكي والأوروبي المعاصر هم أبناء المسلمين العرب. وأحد التقارير العلمية المصرية تقول إنه في ست سنوات ذهب ألف وخمسمائة مبعوث إلى أمريكا للحصول على الدكتوراه عاد منهم مائتان فقط واستقر هناك ألف وثلاثمائة.
تأملات :الوطن العربي :الاثنين 24 ربيع الثاني 1427هـ – 22 مايو 2006م
- الطبري والباقلاني والتوحيدي أمثلة على العبقرية العلمية والموسوعية.
- اللغة العربية هي وعاء الدين وأساس الحضارة.
- من خصائص الإسلام: غير العرب تعلموا العربية وعلموها للعرب.
- سارتون سمى العصور بأسماء علماء المسلمين الكبار.
د. علي عبد الباقي
مفكرة الإسلام: يمتاز العلماء المسلمون الذين شيدوا الحضارة الإسلامية بخاصية فريدة وهي خاصية الموسوعية، فلم يكن الواحد منهم عالما متخصصا في فن واحد أو في فرع واحد من فروع العلم والمعرفة بل كان موسوعيا يعرف معظم ما انتهى إليه العلم في معظم التخصصات.
إن سارتون في كتابه 'مقدمة في تاريخ العلم' حين وصل إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين لم يقتنع بما قدمه له مساعدوه فاضطر إلى تعلم اللغة العربية، وبعد دراسة حضارة المسلمين انتهى إلى تقسيم عصور تاريخ العلم بحسب أبرز علماء الحضارة الإسلامية إبان الفترة من القرن الثامن وحتى القرن الثالث عشر الميلادي .. فأطلق على النصف الثاني من القرن الثامن عصر جابر بن حيان، وأطلق على النصف الأول من القرن التاسع عصر الخوارزمي، وأطلق على النصف الثاني من القرن التاسع عصر الرازي، وأطلق على النصف الأول من القرن العاشر عصر المسعودي، وأطلق على النصف الثاني من القرن العاشر عصر الجوزجاني، وأطلق على النصف الأول من القرن الحادي عشر عصر البيروني، وأطلق على النصف الثاني من القرن الحادي عشر عصر الخيام، وأطلق على النصف الأول من القرن الثاني عشر عصر ابن زهر الأندلسي، وعلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر عصر ابن رشد، وعلى النصف الأول من القرن الثالث عشر عصر الترجمة من العربية إلى أوروبا.
لقد قام بعض علماء المسلمين بعملية إحصائية في أمر السور والآيات التي نزلت تدعو إلى العلم والمعرفة فوجدوا ما يتعلق منها بمادة علم 804 آية، بالإضافة إلى 52 لمادة خبر، و 20 آية لمادة قرأ، 80 آية لمادة أنبأ، 49 آية لمادة عقل، 20 آية لمادة فقه، 18 آية لمادة فكر.. ومجموع هذه الآيات 1093 آية، وعدد آيات القرآن 6232 آية، أي أن سدس آيات القرآن الكريم نزل في العلم وتمجيده والتشجيع عليه والسعي إليه.
لكن حينما يقرأ الإنسان قول الله تعالى [وقل رب زدني علماً] وأيضا [إنما يخشى الله من عباده العلماء].. وقوله تعالى: [شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط..] فإنه يصاب بالرهبة والفزع في نفس الوقت. ومن هذه الأرضية التي كلها علم وتدعو إلى العلم خرج العلماء المسلمون الموسوعيون الذين علموا العالم. إن الفراعنة وصلوا إلى كثير من خبايا العلم ونبهوا في كثير من العلوم ولكنهم لم يكن لديهم هذا التنوع الكبير والموسوعية مثلما كان الحال عند المسلمين. وفي الحضارة اليونانية لم يصل العلماء، عدداً وكماً وكيفاً وتنوعاً، مثلما كان هو الحال في الحضارة العربية الإسلامية.
إننا ندهش حينما نسمع عن أسماء علماء مثل ابن سميل وابن الكلبي وأبوعبيدة والأصمعي والهيثم بن عدى والمدائني.. وهم علماء عاشوا في القرن الثاني الهجري وكل واحد منهم ترك من الكتب ما بين مائتين إلى ثلاثمائة كتاب.
اللغة العربية والعلوم الإسلامية أساس حضارتنا
إن العلم كان في أوله هو العلم الديني، فقد كان جميع العلماء المسلمين بلا استثناء أخذوا العلم أول ما أخذوا من البعد الديني فكان تعليمهم إسلاميا يركز على علوم اللغة والشريعة..وهكذا فإن جميع العلماء المسلمين سواء من استمر في طريق العلم الديني أو من تفرع في العلوم التطبيقية أيضا بدءوا بالعلم الديني الإسلامي مع التركيز على اللغة العربية التي هي مفتاح العلوم الإسلامية والتقصير فيها يعتبر تقصير في الدين. ولقد أقبل المسلمون على تعلم اللغة العربية سواء كانوا عربا أو غير عرب لأنها لغة القرآن والعقيدة والشريعة. فالبيروني لم يكن عربيا، وابن جني كان يونانيا، وابن طفيل والجاحظ لم يكونا عربيين، ومع ذلك تعلموا اللغة العربية وصاروا أساتذة لنا فيها. ومن أجل ذلك تأخرت كتابة العلوم الإسلامية بعض الشيء لكنها بدأت شابة بغير طفولة. فابن الكلبي مثلا كتب في تسعة فنون، وفي كل فن كتب عشرات الكتب، فكتب في الأحلام والمآثر والموجودات وأخبار الأوائل وأخبار البلدان والشعر والأسماء وأخبار الجاهلية وأخبار الإسلام. وهذه مقدرة غير عادية وتمكن غير بسيط من ألوان متفرقة من الفنون. والمبهر أنه بلغ الذروة في كل فن، وكتاباته فيها جميعا متميزة وليست تسويد ورق فقط.. وإنما هي مليئة بالعلم والفهم والدقة والوعي.
أمثلة من موسوعية علماء المسلمين
ومن العلماء المسلمين المشهورين الطبري، وهو يشتهر بالتفسير فهو عمدة المفسرين، فهو في تفسير القرآن كأنما لم يتخصص في علم من العلوم سواه. لكن الذي يقرأ التاريخ لا يستطيع أن يفهم تاريخ الإسلام بدون أن يقرأ تاريخ الطبري، وكأن الطبري لم يكن متخصصا في علم من العلوم سوى التاريخ. وإذا ذهبنا إلى الفقه وجدنا الطبري إماما في الفقه وصاحب مذهب فقهي وكأنه ليس متخصصا إلا في الفقه.وهكذا الأمر في القراءات والعقيدة والحديث والسنن والأصول والسير والقضاء والأخلاق والرؤى والأحلام واللغة والشعر.
وإذا نظرنا إلى الإمام أبي حنيفة لوجدناه وكأن منتهى علم الفقه وأصول الفقه والتوحيد والعقيدة إليه.. وفي نفس الوقت كان أبو حنيفة عالم أخلاق وعالم اقتصاد وعالم في البيع والشراء. والميراث الفقهي لأبي حنيفة، والذي يتبعه ملايين وعشرات الملايين بل ومئات الملايين من المسلمين ويقضي به القضاة ويجري العمل به في القوانين والمحاكم، كل ذلك يؤكد عبقرية هذا العالم الموسوعي الذي جمع فنونا عديدة من العلم بلغ فيها جميعا المنتهى. والإمام الشافعي كان حجة في اللغة، وكان شاعرا لا يشق له غبار، وهو الذي قال: لولا الفقه لكنت أشعر من لبيد، وهو أشعر من لبيد بالفعل رغم الفقه. وبالإضافة إلى نبوغ الشافعي في علوم اللغة العربية والشعر فقد كان أصوليا متمكنا فهو الذي وضع أسس علم أصول الفقه في كتابه 'الرسالة'. وهو حجة في علم التوحيد والعقيدة، وحجة في الفقه، وحجة في أيام العرب وتاريخ العرب وتاريخ الإسلام، وكان عالما بالفراسة أي يتفرس الإنسان فيعرف شخصيته من قسماته وملامحه.
أما الباقلاني فمشهور بأنه صاحب أشهر كتاب في إعجاز القرآن، لكنه عالم وحجة في التفسير والفقه والأصول وعيون الكلام والطبقات والديانات والفرق الإسلامية والأخلاق والتاريخ والأدب والنقد. وقد ترك الباقلاني خمسة وخمسين كتابا، يعتبر كل كتاب منها عمدة في مجاله، فضلاً عن لباقته ومحاضراته وجدله مع القساوسة. وكان جالسا ذات مرة مع أحد القساوسة فسأله عن حاله وحال أولاده فاستنكر القس ذلك وقال أتسأل عن أولادي؟ ألا تعرف أن القساوسة منزهون عن الأولاد.. فقال الباقلاني بسرعة أتنزهون أنفسكم عن الولد وتنسبونه إلى الله؟
ومن العلماء المسلمين الموسوعيين أيضاً أبو الحسن الماوردي، وكان يمتلك دكانا يبيع فيه ماء ورد، وهكذا كان كل أو غالبية العلماء .. ليسوا موظفين.. لأن العالم إذا كان موظفا فقد أسقط ركنا من أركان علمه.. والماوردي كتبه غير معروفة العدد لأن بعض العلماء كان يحرق كتبه خوفا من تفسير أفكارهم تفسيرا ينسبها إلى الضلال. والماوردي كتب الأحكام السلطانية، ومفتخر علوم القرآن، وأمثال القرآن، والتفسير الكبير للقرآن الكريم، والحاوي في الفقه الشافعي، وكتب كثيرة في السياسة مثل أخلاق الملك، وسياسة الملك، ونصيحة الملوك، وأدب الدنيا والدين.. الخ. وأما مذهبه الإسلامي فقد جعل العلم في خدمة الفقه والعقيدة.
ومن العلماء الموسوعيين أيضاً أبو حيان التوحيدي وقد أحرق كتبه جميعاً وكانت ثمانية وعشرين كتابا، كل كتاب يساوي ألف كتاب، لأن ما أفلت منها ووصل إلينا وهو كتاب الإمتاع والمؤانسة يساوي ألف كتاب فعلاً. وقد كان أبو حيان يحترف الكتابة عند وزراء بني بويه وكانوا لا يحسنون معاملته فسمع به أحد الوزراء في بغداد فأرسل إليه واجتذبه وطلب منه أن يلقي بعض المحاضرات، فألقى الرجل أربعين محاضرة في كل فن يخطر على البال وكان يجلس ولا يعرف في أي موضوع سيتحدث فإذا ما تعب القوم قال له الوزير لقد أمتعتنا غاية الإمتاع وآنستنا غاية المؤانسة فهات حكاية الوداع.. وهكذا.
عطاء المسلمين الحضاري قائم الآن كما كان سابقاً
إننا نسجل هنا بعض الاختراعات والاكتشافات ذات الأصول الإسلامية حتى يعرفها الشباب لأن الغرب يحاول أن يطمس هذه الحقائق. فالدورة الدموية الكبرى والصغرى لابن النفيس سطا عليها هارفي ونسبها لنفسه وينسبها الغرب لهارفي ولا يذكرون ابن النفيس.. وهكذا. والتخدير اكتشفه ابن سينا، والنظارة اكتشفها ابن الهيثم، واكتشاف وتطوير صناعة الورق، ثم الإبرة المغناطيسية، والبوصلة، وبارود المدفع، والمضخة الماصة الكابسة، والكاميرا، والبترول، وقوانين الحركة الثلاثة، ونظرية تكوين الكائن الحي، ونظرية المورثات .. كل هذه وغيرها اكتشافات إسلامية رغم أنها تنسب إلى علماء أوروبيين محدثين.
إن عطاء المسلمين في الحضارة العالمية لم يكن قديما فقط بل هو قائم الآن أيضا. فخمسون في المائة من الأطباء المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا واستراليا من العرب والمسلمين، وثلاثة وعشرون في المائة من المهندسين المهاجرين من العرب والمسلمين، وخمسة عشر في المائة من الفيزيائيين المهاجرين من العرب والمسلمين، هذا إلى جانب إخوانهم المسلمين من غير العرب.
وهكذا فإن الكفاءات الكبيرة التي أسهمت في العقل الأمريكي والأوروبي المعاصر هم أبناء المسلمين العرب. وأحد التقارير العلمية المصرية تقول إنه في ست سنوات ذهب ألف وخمسمائة مبعوث إلى أمريكا للحصول على الدكتوراه عاد منهم مائتان فقط واستقر هناك ألف وثلاثمائة.